رأي

كاربينو يكتب..نهاية النخبة وبداية الدولة السودان يصعد من مشروع تأسيس

 

*في قلب الأزمة السودانية حيث تراكم الفشل وتكلست النخب وتآكلت الدولة تحت وطأة التواطؤ التاريخي، تبرز حكومة تأسيس كفجر نادر ، لا يُشبه لحظة سبقتها في تاريخ السودان الحديث ، فمنذ الاستقلال لم يكن الوطن مشروعاً مشتركاً، بل صفقة بين جماعات متوارثة للسلطة ، عقدتها قاعات مغلقة تحرسها السلالات السياسية والعسكرية ، ويمليها الحبل السري بين الخرطوم والمركز، بينما ظلت الأطراف تغذي مركزاً لا يراها ، وتدفع أثماناً لا تُقدر ، وتُقصى من معادلة الثروة والسلطة والحلم الوطني ، هكذا وُلدت الدولة السودانية لا كعقد اجتماعي، بل كغنيمة موزعة بين أهل الحظوة.*

*لكن تأسيس لم تنشأ من رحم تلك البنية المهترئة ، لقد جاءت في لحظة مفصلية، حين تكسر العمود الفقري لدولة ما بعد الاستعمار ، وانهار وهم المركز الذي احتكر الوعي والقرار ، وتفتتت شرعية النخبة التي لطالما تحدثت باسم الجميع دون أن تسمع أحداً ، في المقابل نهضت تأسيس من القواعد ، من حيث يسكن الوجع الحقيقي والناس الحقيقيون ، من حيث تُصنع الحياة لا الشعارات ، إنها ليست وعداً بل حصيلة ، لا بياناً سياسياً بل شهادة ميلاد لمشروع وطني قوامه التعدد ، ومنطقه الشراكة ، وروحه الفدرالية العادلة.*

*ولأول مرة في تاريخ السودان يُكتب اتفاق خارج أسوار الخرطوم ، بعيداً عن المكاتب المكيفة والعواصم الوسيطة إنه اتفاق سوداني – سوداني، حر وشجاع، كتبه الذين اكتووا بنار الحرب ، وذرفوا دماء التغيير ، وجابوا دروب النزوح والتشريد ، ثم عادوا لا ليحملوا الكراهية ، بل ليبشروا بإمكان آخر لوطن شقي منذ مولده ، ليس صدفة أن تكون مناطق حكومة تأسيس هي الأغنى لا بثرواتها فحسب ، بل بإنسانها المتعايش ، العارف بقيمة الأرض والحرية ، القادر على تجاوز الانقسامات المصطنعة ، والراغب بصدق في بناء وطن يتسع للجميع.*

*ما يميز تأسيس ليس كونها حكومة تمثيل مناطقي ، بل لأنها فكرة كاسرة للنمط ، نابعة من القاعدة لا من رأس الهرم ، من الحوار لا من الإملاء ، ومن الفعل الجمعي لا من عبقرية الفرد ، إنها اللحظة التي أعادت تعريف الدولة ، لا بوصفها جهازاً قهرياً ، بل كمرآة للمجتمع بكل تناقضاته وآماله ، كإطار جامع تُنظم عبره الحياة على أسس المواطنة المتساوية ، والعدالة الموزعة ، والسلطة اللامتمركزة ، في هذا التأسيس الجديد لا فضل لمركز على طرف ، ولا حظوة لجهة على أخرى ، بل صوت واحد يُعاد بناؤه من شتات البلاد وأشلاء الحروب.*

*إن جوهر اللحظة التي تمثلها تأسيس لا يكمن فقط في التحول الإداري أو السياسي ، بل في كسر المفهوم المشوه للدولة الذي ساد لعقود ، حيث كانت الدولة تُرى كسلطة فوقية ، لا كعقد إرادي بين مواطنين أحرار ، لقد آن أوانُ الانتقال من دولة الامتيازات إلى دولة الحقوق ، من سلطة تتعالى على المجتمع إلى منظومة تستمد شرعيتها من خدمته ، ففي مشروع تأسيس ، لا تُمنح المواطنة على أساس الجغرافيا أو القرب من المركز أو الارتباط بالنخبة ، بل تُعاد صياغتها كهوية جامعة ، تقوم على العدالة ، والمساواة ، والتوزيع المتكافئ للفرص والمسؤوليات ، وهذا ما يجعل تأسيس أكثر من مجرد حكومة إنها محاولة جريئة لإعادة تعريف معنى أن تكون سودانياً.*

*إن ما يحدث اليوم في تأسيس ليس فقط تحولاً سياسياً أو مؤسسياً ، بل هو قطيعة نفسية ورمزية مع ماض طويل من الشعور بالعجز والتهميش ، لأول مرة يستشعر السودانيون في الأطراف والمركز على حد سواء أن صوتهم مسموع ، وأن وجودهم ليس رقماً في معادلة سياسية تُدار خلف ظهورهم ، بل فعل مركزي في تشكيل المصير العام ، هذه النقلة من موقع الضحية إلى موقع الفاعل و من موقع التابع إلى موقع الشريك ، هي الجوهر العميق لهذا التحول ، إنها ثورة هادئة لكنها راسخة ، في بنية الإدراك الجمعي ، بأن الدولة ليست ملكاً للورثة التاريخيين ، بل هي عقد دائم بين المختلفين لبناء الممكن المشترك.*

*وهنا تلوح الفرصة بكل وضوح ، لا لمن يريد استنساخ الماضي ، بل لمن يملك شجاعة تخيله من جديد ، إن حكومة تأسيس ليست معجزة ، لكنها أمل منظم لا يُبنى بالخطابة ، بل بالإيمان العميق بأن السودان يستحق بداية أخرى ، وكل من ظن أن التغيير مستحيل ، عليه فقط أن يُنصت لنبض القواعد ، وأن يرى كيف يصعد الوطن من تحت الأنقاض ، لا بطلاً فردياً ، بل إرادة جماعية تعيد رسم الخريطة ، وتكتب للمرة الأولى اسم السودان كما يجب أن يكون حراً و عادلاً و متنوعاً وفخوراً بذاته.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!