رأي

السودان: وتحدي التغيير الجذري 

محمد البخيت

 

فحيح الافعي : محمد البخيت 

تتراقص أشباح الأزمات التاريخية على مسرح السودان، وتتجدد فصول المأساة مع كل فجر جديد، بينما تتوالى الاجتماعات واللقاءات التي تعقدها القوى المدنية والسياسية، في محاولة يائسة لإيجاد حلول للأمة السودانية. ولكن، هل يمكن لأي حلول أن تلامس جوهر الداء دون تفكيك منظومة النخب المركزية، وآلياتها، وأدواتها، وإزالة تمكين الكيزان، الذراع القوي لمشروع هذه النخبة ؟ 

إن الإجابة الصادقة تكمن في أن أي مسعى لا يرتكز على هذا التفكيك الجذري لن يفضي إلى حل يمكن السودانيين من تأسيس نظم دستورية جديدة تستوعب تنوعهم الثري في عقد اجتماعي ودستور دائم.إن جوهر الأزمة السودانية يكمن في جذورها العميقة والمتشابكة، وأي مفاوضات لا تخاطب هذه الجذور من الأساس لن تنتج حلولاً تفضي إلى استقرار حقيقي، أو انتقال ديمقراطي سليم، أو حكم مدني راشد.

هنا تبرز إشكالية القوى السياسية والمدنية التي تتخذ موقفاً محايداً في قضايا تعد مصيرية للسودان والسودانيين. هذه القوى، التي تخشى الغوص في أعماق الأزمة وبحث جذورها، خوفاً من أن توصف بـ المتمردين الصابئين عن مشروع النخبة الإرثي المقدس ،

تسعى جاهدة لتصنيف نفسها ضمن القوى السياسية المدنية المعارضة بعيدا عن الثورة المسلحة. ولكن، هل تدرك هذه القوى أن التمرد والمعارضة وجهان لعملة واحدة ؟

كلاهما رفض لواقع مرير، وإن اختلفت الوسائل والأدوات، سواء كانت سلمية أو مسلحة، فكلاهما يسعى للوصول إلى الهدف ذاته

.تسبح هذه القوى المحايدة في أحلام وسراب، إذا ما اعتقدت أن التغيير سيصنع نفسه،

أو ظنت أن البيانات الرومانسية وحدها ستحدث فرقاً. إنها تنتظر دعوة من التنظيم الإخواني الإرهابي، ان هلمي أيتها القوى المدنية إلى قصعة السلطة، وتسلمي مقاليد الأمور على قدح من ذهب . هذا وهم كبير، فالتغيير الجذري الذي يفضي إلى تفكيك منظومة هيكلية راسخة

هو ما تخشاه هذه القوى، وتخشى الخوض فيه، مخافة انهيار الدولة كما تعتقد أو تظن. ولذلك، وقفت موقف العاجز عن الفعل او دعم مشروع التغيير بشكل واضح و ، تناجي المجتمع الدولي عله ينتزع لها السلطة من بين أطراف الحرب، لتتسلم زمام الأمور وتتغنى بـالتغيير الذي لم تضرب له أكباد الإبل، ولم تشد له الرحال.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن معظم التيارات والأحزاب السياسية السودانية القديمة هي تيارات انتهازية، سارقة لمجهود الثوار وأي حراك مجتمعي غير منظم. تراها تتسابق إلى منابر الثورات لقطف ثمارها، من ثورة 1964 إلى 1985، وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2019. ثم تفشل هذه الثورات بسبب المنازعات حول تقسيم الكعكة ، لتفتح الباب واسعاً أمام الجيش لاستلام السلطة.

وبعدها، تقبل هذه القوى بالأمر الواقع، وتنتظر تململ الشعب وخروجه إلى الشوارع، لتتصدر المشهد مرة أخرى، وتعيد الشعب إلى حضن الجيش، وتعيد إنتاج الأزمة بشكل جديد وأفظع مما كان.والآن، في عهد ثورة 15 أبريل، تتلهف هذه القوى لأي تسوية، ليس إحساساً بمعاناة الشعب، بل طمعاً في العودة إلى الواجهة أو إلى كراسي السلطة بشكل يعيد إنتاج الأزمة مجدداً.

إن هذه القوى السياسية والمدنية “المحايدة” لا تملك أي مشروع حقيقي لحل الأزمة، ولا برامج واضحة لبناء مستقبل السودان. إنها عاجزة عن تقديم أي مشروع ينقل السودان إلى محطات أخرى تتجاوز مرحلة الحروب والصراعات، نحو الهدوء والاستقرار والبناء والتأسيس والإنتاج، والتحول الديمقراطي الذي يتطلع إليه الشعب.

كما أنها عاجزة عن إعادة الجيش بكلياته إلى ثكناته، وإعادة صياغة عقيدته القتالية بدلا من قتل مواطنيه ليصبح جيشاً وطنياً قومياً يحفظ أمن الحدود ويحمي المؤسسات الدستورية، بعيداً عن معترك السياسة ومجال الاقتصاد والتجارة. والغريب في الأمر أن معظم هذه القوى تؤمن بمشروعية الجيش بوضعه الحالي، وتؤمن بمشروعية تمثيله للشعب، وتعتبره من “المقدسات” التي لا يمكن المساس بها، وتربط مصير الدولة بوجوده رغم انها تعلم ان الجيش بشكله الحالي هرميا يمثل التنظيم الإخواني الإرهابي

.إن السودان يستحق مستقبلاً أفضل، مستقبلاً يبنيه أبناؤه وبناته على أسس العدل والمساواة، بعيداً عن هيمنة النخب وانتهازية القوى التي لا ترى في الأزمة إلا فرصة للعودة إلى السلطة. التغيير الحقيقي يبدأ بتفكيك البنى القديمة، وبناء عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق الجميع ويحقق تطلعات الأمة السودانية نحو الحرية والسلام والعدالة.

وهكذا ”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!