رأي

نحو تأسيس الدولة السودانية الحديثة: تشريح الفشل واستشراف المستقبل

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة

الدولة القومية هي الفريضة التي ظلّت غائبة تمامًا منذ نشوء وتشكُّل ما يُعرف بالدولة الوطنية في السودان في منتصف خمسينيات القرن المنصرم. ونتيجة لذلك، غاب الجهاز المفاهيمي القائم على الهوية والانتماء الوطني، وعلى المواطنة والحقوق الإنسانية، والديمقراطية، والحريات العامة والخاصة، والمجتمع المدني. وللأسف، لم يتم التخلّص من الدولة النخبوية التي خلّفها الاستعمار، فتجذّرت ثقافة القهر والاستبداد والتسلّط، عبر العنف المحتكر في الأجهزة الأمنية، وفساد المؤسسات المدنية، مما قاد إلى عجز مستمر في القيام بمتطلبات التنمية. وبالتالي استعصت عملية النهوض، رغم كثرة وتنوع الموارد، فأصبحنا دولة فاشلة وغير راشدة.

دولة فاشلة وهشّة. ومن المعلوم بالطبع أن هنالك مؤشرات تؤكد أن الحالة السودانية تعاني من فقدان القدرة على صياغة دستور متّفق ومتراضٍ عليه، يحدّد الهوية والشخصية السودانية، بالإضافة إلى الفشل الذريع في تحقيق العدالة الاجتماعية، وفي جعل المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات الدستورية، وفي إدارة التنوع والاختلاف، وصنع وتحقيق السلام والاستقرار، والحفاظ على السيادة، وتطبيق القانون، وتوفير الخدمات الأساسية، وإدارة العلاقات الخارجية، والقدرة على أداء الوظائف الأساسية. وبالتالي، فهي عاجزة تمامًا عن القيام بدورها كمُعبِّر عن إرادة الجماهير والشعب، وكراعٍ للمصالح الوطنية.

وبالنظر إلى المؤشرات والمعايير سالفة الذكر، فإن دولة 56 ليست فاشلة فحسب، بل تُعد كابوسًا جاثمًا على صدر الشعب السوداني، حيث ظلّت النزاعات المسلحة، وحركات الاحتجاج، والاضطرابات الداخلية التي تسببت فيها السلطة المركزية القابضة والخانقة، قائمة، لتُبقي على حالة الفشل مستمرة.

إنّ تحديات بناء وتأسيس الدولة الوطنية كثيرة، معقدة، ومتشابكة؛ سياسية، واجتماعية، وأمنية. وبما أن التعريف الحديث لمفهوم الدولة هو: العمل على بناء مؤسسات قومية قادرة وفاعلة، تستند إلى دستور يعبر عن تطلعات وأشواق وآمال الشعب، فإن قوة أي دولة تكمن في قدرتها على البناءات المؤسسية (المأسسة) والإدارية، وسنّ الأنظمة والقوانين.

وبما أننا نمضي نحو العقد السابع، يظل هذا المسخ المشوَّه المُسمّى “الدولة” قابعًا، ويستمر الإصرار على حالة عدم الاستقرار السياسي، وغياب التنمية، وانتشار الحروب والعنصرية، وخطاب الكراهية، وسوء إدارة الموارد والمقدرات، واحتكار القرار السياسي من قِبَل نُخب أدمنت الفشل بامتياز… رغم أن مقومات بناء دولة المواطنة العصرية الحديثة، القادرة على أن تحجز موقعًا متميزًا بين الأمم والشعوب، حاضرة بكثافة.

وإنّ السودان يمتلك من المعطيات ما يؤهله لأن يبني دولة قادرة على الإسهام في قضايا السلام والتنمية الدوليين.

إذن، لماذا لا نُعيد التفكير في بناء وتأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!