
خالد فضل
أنْ يعترف قادة القوات المسلحة السودانية من مناطق سيطرتهم على بعض أجزاء البلاد بإعلان تشكيل مجلس رئاسي ورئيس للوزراء في مناطق من السودان لا تخضع لسيطرتهم كأمر وقع , هذا خير من الإنكار . لأنّ الإنكار لا يغيّر في الحادث شيئا . فقد تمّ تجريب إنكار الوقائع لعقود طويلة في مسيرة حروب السودان الممتدة منذ الإستقلال , وفي كل تجربة ماضية , يذهب الإنكار جفاء وتصمد الحقيقة . فلماذا السير على ذات المنوال ؟
(2)أسئلة بسيطة تطرأ على البال المشغول بمآلات الأوضاع وأثرها على الناس الذين صدف ميلادهم أو إقامتهم على هذه الأرض , على شاكلة , ما الذي يطرحه قادة الجيش كمشروع بناء للبلاد , لماذا لا ينشرون هذا المشروع النظري إن وجد حتى يتم النقاش حوله ومضاهاته بمشروع السودان التأسيسي الذي قدمه تحالف تأسيس وتم بموجبه البدء في إعلان هياكل السلطة التأسيسية الوطنية السودانية . إنّ مقولات وشعارات مثل حرب الكرامة أو بل بس , أو استئصال آخر دعامي أو دك واستئصال آخر طفل حديث الولادة في بعض المجتمعات السودانية أمر غير منطقي وغير عملي ولا يمكن إنجازه حتى لو تم استخدام القنابل الذرية ناهيك عن السلاح الكيماوي . فما البديل العملي لمثل تلك الشعارات ؟
(3)في أي نزاع وصراع بين البشر على مرّ العصور , يوجد على الأقل طرفان متنازعان حول أي شئ , من هابيل وقابيل إلى يوم البرهان وحميدتي هذا , فما هو الشئ المتنازع عليه في السودان ؟ دعونا نفترض ؛ السيطرة على السلطة والحكم , الهيمنة على الموارد , إخضاع أكبر قدر ممكن من الناس للسياسات والخطط والبرامج التي يفرضها الطرف المهيمن , التحكم في أوجه حياة الناس العامة والخاصة , بحيث يتم إلغاء وجودهم المعنوي والإبقاء على صورهم المادية كمجرد أشباح لا حول ولا قوة لها وإذا حاول أحدهم أو بعضهم تأكيد وجوده المعنوي يتم إعدام هيكله المادي بالتصفية أو الحبس في السجون . ثم من قال أو افترض أنّ جميع الناس يحبون الشوكلاتة ؛ رغم حلاوة طعمها , أ ليس من حق أحد أنْ يفضّل (التبش ) هذا على فرضية أنّ الطرف المهيمن يقدم الشيكولاتة للأطفال في رياض الأطفال أو قوارير الحليب المبستر الطازج كل فجر أمام ابواب الشقق التي تأوي أطفالا كما يحدث في السويد مثلا .
(3)ما يقلق حقا , أنّ الطرف أو المجموعات المتحالفة مع الجيش , لا تطرح رؤية سياسية نظرية أو مشروعا للنقاش العام , كما أنّ الهياكل الإدارية القائمة في بورتسودان وبقية الولايات لا تستند على رؤية سياسية محددة حتى يمكن مضاهاتها أو معيرتها بميزان ولو كان مختلا . تبدو الأمور تدار بالمزاج أو القدرات الشخصية والتقديرات الذاتية لمتخذ القرار . مثلا , تم تسمية د. كامل إدريس رئيسا لمجلس الوزراء , وعهد إليه تشكيل وزاري من أشخاص ذوي كفاءة وخبرة واستقلالية نسبية عن التنظيمات والواجهات السياسية المختلفة . حسنا هذا تعهد منشور , عليه يمكن القياس , فهل نفذّ هذا التعهد هل وزير المالية كفاءة مستقلة عن أي تنظيم سياسي , ووزير المعادن , ووزير العدل , والشؤون الدينية والحكم الإتحادي … إلخ . هل تمتد سلطات رئيس الوزراء إلى وزيري الدفاع والداخلية ؟ اتفق الناس على توصيف السلطات بأربع , ثلاث منها تنفيذية والرابعة معنوية دورها المراقبة ونشر المعلومات والتقصي والتحقيق ونشر الرأي العام وهي السلطة الرابعة أو الإعلام , بينما السلطات الثلاث الأخرى تشمل , التنفيذية , التشريعية , القضائية , تبدو في حالة السودان أن ثمّ سلطات أخرى أعلى من هذه السلطات المعروفة , سلطة الجيش , سلطة المليشيات , سلطة المطلوبين في قضايا جنائية محليا ودوليا . الشواهد على ذلك , أنّ رئيس الوزراء تم تعيينه بوساطة قائد الجيش ؛ عمليا يبقى أمره رهينا بتقديرات من عيّنه في هذه الحالة تبقى سلطة الجيش سلطة خامسة . بعض الوزراء التكنوقراط غير المستقلين نسبيا عن التنظيمات السياسية فرضوا أنفسهم فرضا , وأذعن لهم رئيس الوزراء ؛ وقد قال قائد من تلك التشكيلات المسلحة خارج مؤسسة الجيش (إنّ مرشحينا لتولي المناصب الوزارية في حكومة الكفاءات الوطنية المستقلة لا يرفضون ) إنهم سلطة سادسة فوق السلطات الخمس الأخرى فيما يبدو . ثمّ هناك السلطة السابعة التي تخضع لها جميع السلطات السابقة بما فيها الإعلام , هي سلطة مجموعة الأفراد المطلوبين للعدالة , والذين بدأت إجراءات محاكمتهم في الخرطوم , وبعضهم ما يزال يحمل صفة المتهم الهارب , وبعضهم صدرت في مواجهته مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهم تتعلق بجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية في النزاع في إقليم دارفور السوداني والضحايا مجموعات إثنية يجمعها مصطلح (مفز) كما صرّح السيد مناوي .
(4)نعود إلى البدء , هل هذه صورة بلد يريد أهله أن يبنوه ويعيشوا على أرضه بكامل حقوقهم . ومن أبسط هذه الحقوق الحصول على شهادات الميلاد والوثائق الثبوتية التي تؤكد هويتهم كالجوازات للذين يريدون السفر أو العيش في الخارج . هل يمكن وصف سلطة تحجر سفاراتها في الخارج حق منح الجوازات أو تجديدها لبعض المواطنين بأنها سلطة وطنية ذات سيادة على مجمل الرقعة الجغرافية للبلاد . أو أنها سلطة وطنية من كفاءات وخبراء يتسمون بقدر من النزاهة والإستقلالية . أفهم صدور حكم قضائي باسقاط الجنسية من شخص ما بعد ثبوت إرتكابه ما يوجب ذلك الإجراء , أو في حالة هناك بعض البلدان تشترط نيل جنسيتها بإسقاط جنسية البلد الثاني كالمانيا , في هذه الحالة يتقدم الفرد بطلب إسقاط جنسيته السودانية حتى يتسنى له الفوز بجائزة نيل الجنسية الألمانية الكريمة ! أمّا جعل الجنسية أو الجواز تبعا للموقف السياسي فهذا يقدح مباشرة في أهلية السلطة التي تدعي سيادتها ومشروعيتها في البلاد , من حق الناس في هذه الحالة التفكير في بناء وتأسيس دولة لا تفرّق بينهم بسبب الإنتماء السياسي . هذا فعل موضوعي ومشروع , إلا إذا كانت حدود الموضوعية والمشروعية نفسها قد انعقد لوائها بغير رجعة للسلطة السابعة في السودان , تلك المهيمنة الفعلية على زمام الأمر في بورتسودان .
(5)من هنا تظهر حدود الموضوعي والمنطقي في مشروع تأسيس , فهو نظريا على الاقل يدعو لبناء دولة وفق الأسس الحديثة لبناء الدولة القطرية , دولة ديمقراطية , تدار بنمط لا مركزي (الفيدرالية الحقيقية أو حتى الكونفدرالية ) , في ظل دستور علماني يستمد نصوصه من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات والمواثيق الدولية في هذا الشأن . وبحيث يتم تحديد السلطات في دوائرها الأربع المعروفة , وبحدود شغلها الدستورية , واستقلاليتها وطرق تسكين الموظفين فيها , كما يحدث في أي أي دولة ديمقراطية مزدهرة الآن . مشروع التأسيس يقتصر على تلك المكونات الأربع للدولة وسلطاتها , عليه تصبح السلطات بوضع اليد ( الجيش , المليشيات , عصابة الإسلاميين) غير موجودة في التحكم في مصائر الناس ؛ كل الناس بالطبع بمن فيهم الذين يتم استهدافهم الآن بالقصف والترويع بغية الاستئصال التام , الأصل في الحكومات أن ترعى وتطور أوجه حياة الناس لا أن تستأصل بعضهم بحجة أنهم (زائدة دودية ملتهبة في الجسد ) . هذه نقطة مفصلية في النظر إلى مشروعية أي سلطة , وسلطة تأسيس نفسها لن تمنح شيكا على بياض كي تتحول إلى أداة أستئصال من الناحية الأخرى , لحسن الحظ ألزمت هذه السلطة نفسها قبل الإنطلاق بمعيار , وثيقة ومشروع منشور ومتاح كأرضية لتسيير أعمالها ومراقبتها ومحاسبتها وفق مبادئها وليس وفق الأهواء والأمزجة . هنا تكمن قيمة ما تطرحه , في مقابل لا مشروع ولا رؤية موضوعية يستند عليها الطرف الذي يحاول منازعتها الشرعية . هذا في تقديري ما سيتعامل به العالم مع الوضع في السودان , إنّ همهمة بعض الأطراف بعبارات توحيد مؤسسات الدولة أو المحافظة عليها .. إلخ , ليست سوى إخفاء لموقف مساندة اللا مشروع الذي تدار به شؤون أجزاء من البلاد الآن . مبادئ تأسيس تقول بوحدة مؤسسات الدولة , وبعدالتها , وديمقراطيتها , بل تمضي أكثر لجعل هذه الوحدة الوطنية تستند على رغبات الناس وتطلعاتهم واختياراتهم وليس على فرض الوحدة القسرية على مقاس ومصالح فئة من الشعب ضد طموحات الآخرين . سويسرا اليوم بلد موحد وشعوبه مختلفة في كل شئ تقريبا , الهند تضج بالتعددية وهي بلد موحد , الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من خمسين ولاية مساحات بعضها تعادل مساحة السودان كله , لكنها الولايات المتحدة الأمريكية ذات السلطة السيادية والمؤسسات الموحدة , كندا , فرنسا تعج بالتعددية .. إلخ , كل هذه دول وتجارب بشرية متاحة وفي رواندا القريبة وإثيوبيا وسيراليون وساحل العاج والسنغال .. لماذا لا نعتبر بهذه التجارب الماثلة ؟ أ لأن عصابة من المطلوبين للعدالة يتحكمون في مصائر الناس ؟




