
محمود كاربينو
في خضم التصريحات المتعجلة التي أطلقها الاتحاد الإفريقي بشأن الوضع في السودان ، والتي أعلن فيها أنه لا يعترف إلا بما يسمى “مجلس السيادة” والحكومة الانتقالية المدنية المُشكلة حديثاً ، يبرز سؤال جوهري لمن تعود شرعية الحكم؟ وهل يُنتزع الاعتراف الشعبي ببيانات صادرة من كيانات نُخب بيروقراطية فشلت مراراً وتكراراً في مجاراة الواقع الأفريقي ، دع عنك قراءة تعقيدات الحالة السودانية؟
الاتحاد الإفريقي لم يكن يوماً على قدر التحديات المفصلية التي واجهتها الشعوب التي تمثلها عضويته ، لم يفلح في وضع إطار جاد أو فعال لعملية سلام شاملة في السودان ، بل سمح ضمنياً أو بالصمت بتغول قوى الحركة الإسلامية وأجهزتها العميقة على مفاصل الدولة، وهي ذات القوى التي خططت وأشعلت هذه الحرب الكارثية ، تجاهل الاتحاد كل ذلك وانشغل بترديد مواقف صيغت في دهاليز علاقات المصالح مع دول بعينها لها مصلحة مباشرة في إجهاض أي مسار تحرري شعبي سوداني، كما هو الحال مع مصر وإريتريا وبعض أعضاء الاتحاد الذين مارسوا ضغطاً ظاهراً لإعادة السودان إلى دائرة الهيمنة المركزية الفاشلة.
ما يثير السخرية المرة أن الاتحاد الإفريقي الذي وقف صامتاً أمام انقلابات متعددة في الإقليم، وأغمض عينيه عن مجازر تُرتكب في وضح النهار، لم يتحرك إلا عندما تشكلت حكومة نابعة من نبض الجماهير السودانية، هذا السلوك يكشف عن ازدواجية معايير فاضحة، تحكمها اعتبارات توازن القوى والمصالح الخارجية، لا المبادئ ولا المواثيق التي يُفترض أن تحكم سلوك المنظمة، فالاتحاد الذي جمد عضوية السودان، لم يكن يبحث عن حل، بل عن تثبيت بنية قديمة يُدرك الجميع أنها باتت ميتة سريرياً.
منذ اندلاع الحرب لم يقدم الاتحاد الإفريقي خارطة طريق واقعية تتعامل مع جذور الأزمة، بل ظلت بياناتهم تدور في فلك إنقاذ المركز وإعادة تدوير النخب الفاشلة، في الوقت الذي سعت فيه المجتمعات السودانية لصياغة نموذج جديد للحكم، ظل هؤلاء يلهثون خلف مبادرات جوفاء لا تلامس الواقع ولا تأخذ بالإرادة الشعبية، فالإرادة الحرة لا تحتاج إلى وسيط، والشعب الذي نزل للشارع، وتحمل ويلات الحرب والنزوح والجوع، لا ينتظر من الاتحاد أو غيره من الأجسام البيروقراطية أن يمنحه شهادة ميلاد لحكومته الجديدة.
الشرعية لا تُمنح من فوق بل تُنتزع من القاعدة، والقاعدة هنا ليست مؤتمرات النخبة في العواصم، بل المجتمعات المحلية التي دفعت ثمناً باهظاً في الدماء والانهيار والمعاناة اليومية، حكومة السلام والوحدة، مهما كثر خصومها في الخارج، تملك سنداً داخلياً لا يمكن نزع شرعيته ببيان أو موقف دبلوماسي ؤ إنها تجسيد حقيقي لتحول تاريخي بدأه الشعب بنفسه، ويرعاه بأظافره، بعيداً عن مطامع الساسة وانتهازية المجتمع الدولي.
أما حديث الاتحاد الإفريقي عن تجزئة السودان، فهو في جوهره محاولة مكشوفة لإخفاء حقيقة أكثر فظاعة وهي أن السودان لم يكن موحداً أبداً بالمعنى العادل ، ما يُطلق عليه وحدة كان في الواقع سيطرة قسرية لمركز ضيق على الهامش الواسع، ما تفعله حكومة تأسيس اليوم هو تفكيك مشروع الهيمنة لا تفكيك الدولة، إنه سعي لبناء سودان جديد قائم على الشراكة لا على الإخضاع، على الاعتراف بالتعدد لا إنكاره، وعلى العدالة في توزيع السلطة والثروة لا تكريسها في يد قلة متغولة.
ومن الملاحظ أن الشعوب باتت أكثر وعياً من مؤسسات يفترض أنها تمثلها، تجاوز السودانيون بوعيهم وصبرهم ومقاومتهم كل هذه المنظومات البيروقراطية الجامدة، وأثبتوا أن الإرادة الشعبية هي أقوى من كل “الاعترافات” المصطنعة، لم يعد الاتحاد الإفريقي ولا الجامعة العربية مرجعاً حقيقياً، بل عبئًً تاريخياً يجب تجاوزه، بل وإعادة تعريف العلاقة معه من الأساس.
لا تُبنى شرعية الحكومات على الطاولات المغلقة ولا تُرسم إرادة الشعوب في بيانات الرفض والتنديد، إن حكومة السلام والوحدة التي وُلدت من رحم المقاومة الشعبية والمعاناة، لا تنتظر صك اعتراف من أي جهة، مهما بلغ نفوذها الشكلي، شرعيتها نابعة من التفويض الشعبي، من المجتمعات التي وقفت في وجه الحرب، وكسرت المركزية، وأعادت تعريف معنى السلطة من جديد، هذه الحكومة لم تكن مشروع نخبة أو صفقة، بل جاءت عبر تحالف عريض يحاول إعادة رسم الخريطة السياسية والإدارية بناء على معاناة الناس وأشواقهم في السلام والعدالة والكرامة.
الشعوب الحرة لا تنتظر الإذن لكي تتنفس ولا الاعتراف لكي تنهض، ومن يملك إرادة الحياة، يصنع دولته، ويشق طريقه، ويعلم الآخرين كيف تُبنى الأوطان، ومن يدفع الدم، لا ينتظر الإذن ليحكم، بل يرسم مصيره بيده، ويفرض إرادته على الجميع.




