رأي

بين مجزرتين… الدولة المفقودة والعدالة الغائبة

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

تابعنا مجزرة معبر أديكون، حيث سقط عشرات الأبرياء، وواجهنا بعدها جريمة السنوط، بمشهد مأساوي متكرر: نساء، أطفال، كبار السن. الأرقام تتزايد، والوجوه تتحول إلى إحصاءات، والحزن يصبح خبراً روتينياً.

المشكلة لم تعد فقط في وقوع الجريمة، بل في كيفية إدارتها بعد وقوعها. بيان إدانة، تعبير عن الأسف، ثم صمت. هكذا تُدفن الحقيقة قبل أن تُدفن الجثث.

هذه الجرائم تحتاج إلى احترافية قانونية ومهنية عالية: توثيق دقيق لكل ضحية بالاسم والصورة، حفظ شهادات شهود العيان، جمع الأدلة، وفتح بلاغات رسمية لدى النيابة فورًا. يجب دعوة المنظمات الحقوقية للوقوف على مسرح الجريمة وبناء ملف قانوني متكامل لا يُترك للصدفة أو للعاطفة العابرة.

الاكتفاء بالشجب لم يعد حياداً… بل أصبح تقاعسًا فاضحًا. التعامل مع الضحايا كأرقام ليس إدارة أزمة، بل استرخاص دم الأبرياء.

قتل مواطن واحد يجب أن يُحرّك الدولة كلها: مجلس وزراء، نيابة، أجهزة عدلية، مؤسسات رقابية. فما بالك إذا كان الضحايا بالعشرات؟ وإذا كان بينهم أطفال لم يعرفوا من هذه البلاد سوى الخوف؟

الأخطر من الجريمة نفسها هو اعتيادها: أن نصبح أقل دهشة، أقل غضبًا، أقل مطالبة بالحقيقة. أن ننتظر البيان الرسمي أكثر مما ننتظر العدالة الفعلية.

العدالة لا تحتاج إلى بلاغة، بل إلى شجاعة فعلية. لا تحتاج إلى تعاطف لفظي، بل إلى دولة تتصرف كما لو أن كل ضحية هي ابنها أو ابنتها.

بين مجزرة وأخرى، لم يعد البيان وحده كافياً. نحتاج دولة تحمي شعبها قبل أن يدفن أبناؤه على الأرض، دولة تفعل أكثر مما تقول، دولة تعيد للدم قيمة الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!