
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
مقدمة:
في ظل الحرب العبثية التي أعادت تشكيل اللغة والسياسة والأمن في السودان، طُرح مؤخرًا ما بات يُعرف بـ”قانون الوجوه الغريبة”، كمصطلح عائم يتوسل المشاعر القبلية والعنصرية في آن. لكن خلف هذه العبارة، يتوارى مشروع سياسي/عسكري/اقتصادي خطير، يسعى لإعادة تشكيل خريطة السودان السكانية عبر الطرد القسري، والتجريف، وإعادة توزيع الموارد والسكان بالقوة.
أولًا: البُعد العسكري – من يقاتل ومن يُحاسَب؟
كيف يستقيم أن تُقاتل ذات “الوجوه الغريبة” جنبًا إلى جنب مع الجيش السوداني في ميادين المعارك، بينما يُمارس عليها التهجير، ويُفرض عليها قانون استثنائي ينتزع عنها مواطنتها؟ المنتمون إلى الكنابي، وهم أبناء السودان ممن نزحوا منذ عقود طويلة طلبًا للرزق، دُفعوا دفعًا إلى المشاركة في خدمة الوطن، بعضهم في صفوف القوات المسلحة، وبعضهم الآخر تحت مسمى “الدفاع الشعبي” أو “الاحتياطي المركزي”، واليوم يُجزى هؤلاء بالنفي والنبذ والإقصاء.
بل وتحوّل القاموس السياسي المستحدث بعد الحرب، إلى معول تفريق: “الحاضنة”، “الكيزان”، “أبناء الهامش”، “الوجوه الغريبة” — مصطلحات أُفرغت من معناها، وطُوّعت لأغراض السيطرة، وتكريس خطاب التمييز والتفريق، وتغذية ضغائن لا تنتهي.
ثانيًا: البعد السياسي – من يخدم هذا القانون؟
إنه مشروع يخدم طبقة سياسية محددة تسعى إلى إعادة إنتاج سيطرتها على المركز، عبر خطاب عنصري مؤسس على تخويف الجماهير من “الآخر”. منطق القانون ليس تنظيم الوجود أو الحقوق، بل نفي الآخر وتسهيل الاستيلاء على أراضيه، مصادر رزقه، وتاريخه.
التاريخ الحديث يشهد كيف استُخدمت مثل هذه السياسات لصناعة مراكز نفوذ جديدة، كما حدث في:
مجزرة ود النورة
تجريف الكنابي
العفو عن مرتكبي انتهاكات مشروع الجزيرة
الإفراج عن “كيكل” المتهم بارتكاب انتهاكات فظيعة في الجزيرة
كل هذه شواهد على مشروع كامل لإعادة هندسة الديموغرافيا السودانية.
ثالثًا: البعد النفسي – تشريح الإهانة المُمنهجة
أن توصف بـ”الوجه الغريب” في وطنك، هو أن يُنتزع منك شعورك بالانتماء. إنها إهانة غير مباشرة، لكنها أعمق أثرًا من السباب المباشر. القانون، حين يتبنى هذه المفردة، فإنه يكرّس الخوف والشك والإقصاء. الطفل الذي يسمع أمه تُطرد لأنها “غريبة”، لن ينسى هذا الموقف ما عاش. والمرأة التي تُهدد بفقدان منزلها لأنها من “الكنابي”، لن تعود لترى السودان كوطن يحتضن أبناءه.
رابعًا: البعد الاقتصادي – وجه آخر للاحتكار
إن إزاحة السكان من أراضيهم أو مواقعهم الحيوية بحجة “الوجه الغريب” ليست مجرد سياسة أمنية. بل هي تمهيد لمشروع اقتصادي يُحتكر فيه العمل والأرض والسلطة بيد فئة قليلة. ما يحدث هو “خصخصة للمواطنة”، لا تُمنح إلا لمن ينتمي قبليًا، أو سياسيًا، أو أمنيًا.
أصحاب الكنابي ساهموا في نهضة الزراعة، لا سيما في مشروع الجزيرة، لكن حين قرّب الحصاد، وُصفوا بأنهم غرباء! أليس هذا فصلًا اقتصاديًا عنصريًا يُدار بغطاء قانوني؟
خامسًا: البُعد القانوني – ازدواجية الدستور والتمييز
وقع السودان مع دولة جنوب السودان اتفاق الحريات الأربع (حرية التنقل، الإقامة، العمل، والتملك). فكيف يستقيم أن يُمنح هذا الحق لدولة أجنبية، بينما يُنتزع من السودانيين أنفسهم بحجة “الغرابة”؟ أي قانون هذا الذي يُطبّق على مواطنين سودانيين وكأنهم أجانب؟! أليس هذا تناقضًا صارخًا بين الدستور والقرارات التنفيذية؟
ثم، من أين جاءت هذه السلطة التي تصنّف المواطنين بحسب ملامحهم ولهجاتهم ومناطق نشأتهم؟! هل نحن أمام دولة، أم كيان قبلي بواجهة قانونية؟
سادسًا: البُعد التحصيلي – المواطن غنيمة
في واقع الأمر، “قانون الوجوه الغريبة” يُمارَس لا لضبط الأمن، بل لضبط الجباية. يتم تهديد الناس بالطرد والإقصاء، ما لم يدفعوا “إتاوات” تحت مسميات رسوم، ضرائب، أو تصاديق. هو قانون تحصيلي، هدفه تعظيم العائد المالي من الفئات الأضعف، دون حماية قانونية أو مظلة دستورية.
سابعًا: البُعد الرمزي – سمعة السودان في مهب الريح
السودان لطالما قُدّم كقلب أفريقيا النابض، وطن تعددي متسامح، موطن ثقافات ولهجات وهوّيات. أما اليوم، وبوجود هذا الخطاب العنصري الممنهج، فإن الصورة تنقلب تمامًا.
كيف نبرر للمجتمع الدولي طرد مزارعين عاشوا عقودًا في مشروع الجزيرة؟ كيف ندافع عن قانون يصنّف السودانيين بين “أصيل” و”غريب”؟ كيف نقنع العالم بأننا دولة مواطنة، ونحن نمارس أبشع أنواع التمييز الجغرافي والإثني؟
ثامنًا: البعد المقارن – هل حدث مثل هذا في التاريخ؟
“قانون الوجوه الغريبة” ليس سابقة فريدة، فقد شهد العالم تجارب شبيهة حيث مارست حكومات أنظمة تصنيفًا عنصريًا أو مناطقيًا ضد جزء من شعبها، تحت غطاء قانوني أو أمني.
جنوب أفريقيا تحت نظام الأبارتايد مثلًا، فرضت الدولة نظامًا قانونيًا يُصنّف السكان على أساس العرق، وحرمت السود من السكن والعمل والتنقل في “مناطق البيض”. كان القانون هو أداة الفصل، لكن رد الفعل الدولي جاء حاسمًا:
فُرضت عقوبات اقتصادية شاملة.
جُمِّدت عضوية جنوب أفريقيا في عدد من الهيئات الدولية.
دعم العالم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات.
ميانمار (بورما) ومأساة الروهينغا:
اعتبرت الدولة الروهينغا “أجانب” رغم وجودهم في البلاد منذ قرون، وحرمتهم من المواطنة، ثم شنت حملات طرد جماعية بحقهم. العالم، بعد تردد طويل، صنّف الانتهاكات كجرائم إبادة جماعية.
في الحالتين، كان “الاستثناء القانوني” هو الأداة، وكان “الصمت الدولي في البداية” هو التواطؤ.
اليوم، السودان يكرر التجربة: تصنيفات داخلية، طرد قسري، هندسة ديموغرافية، وتجريف للحقوق. فإذا لم يتحرّك المجتمع الدولي اليوم، فإنه يعيد نفس سيناريو الإبادة ولكن بـ”قالب قانوني” أكثر نعومة.
تاسعًا: تعليق على تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي – ما الرسالة؟
في يونيو 2023، جُمدت عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي على خلفية الانقلاب والحرب المستمرة. هذا التجميد، وإن بدا إجراءً دبلوماسيًا، إلا أن له دلالات سياسية عميقة:
1. اعتراف ضمني بعدم شرعية السلطة القائمة، وهو ما يسقط عن قراراتها غطاء الشرعية الإقليمية.
2. تقييد قدرة الحكومة على الحديث باسم السودان في المحافل الأفريقية.
3. فتح الباب للمنظمات الحقوقية والدول الأعضاء للضغط بشأن الانتهاكات بحق المدنيين، بما فيها سياسات “التمييز الإثني أو المناطقي”.
لكن المقلق هو أن هذا التجميد لم يُترجم بعد إلى مواقف عملية تحمي الشعب، مما شجّع السلطة القائمة على مزيد من القمع بدعوى أن “لا أحد يتدخل”.
إن تجاهل المجتمع الدولي لتداعيات “قانون الوجوه الغريبة”، بحجة أن السودان يعيش أزمة داخلية، يعيدنا إلى ما حدث في رواندا، حين وقف العالم متفرجًا على التطهير العرقي، ثم ندم متأخرًا.
نخلص الي
“قانون الوجوه الغريبة” ليس مجرد عبارة مستهلكة في وسائل التواصل الاجتماعي، بل مشروع سياسي/قانوني/اقتصادي خبيث يهدد ما تبقى من الوحدة الوطنية.
نحن لا نواجه مجرد خروقات قانونية، بل نواجه هندسة شاملة للدولة على أسس عنصرية، تُقصي الفقراء، تُقصي أهل الإنتاج، وتستبقي من يخدم السلطة، لا الوطن.
تاريخ العالم يُخبرنا أن مثل هذه المشاريع لا تُدفن إلا بضغوط مزدوجة، داخلية تُسمي الأشياء بأسمائها، وخارجية لا تمنح القتَلة فرصة الاختباء خلف أوراق رسمية.



