
زينب حسن سعيد
في ثقافتنا الشعبية، نستخدم مصطلح “كسير التلج” بابتسامة متندرة لوصف سلوكيات التملق والمسايرة. ولكن حين يغادر هذا المصطلح مجالس السمر ليصبح نهجاً مؤسسياً، تتحول هذه الدعابة إلى آفة هادئة تعيد صياغة معايير الترقي، ليصبح إتقان فن “إرضاء الإدارة” هو المسار الأسرع للوصول، متجاوزاً الكفاءة والخبرة. فما الذي يحدث لروح الكيانات عندما تتحول الموافقة الدائمة إلى المعيار الأوحد للنجاح؟ وكيف تتأثر الهياكل التنظيمية حين تُسند مقاليدها لمن يفتقرون للثقل المهني؟
خطيئة التوظيف الموجَّه: عندما تحكم دوائر الظل
في أدبيات الإدارة والسياسة، يُحذر الخبراء من خطورة إحاطة صانع القرار ببيئة لا تعكس سوى صوته. القادة الذين يميلون إلى البحث عن الطمأنينة المستمرة قد يبنون هياكلهم التنظيمية اعتماداً على شخصيات تُجيد “كسير التلج” واحتواء المواقف، وتوفير الثناء بدلاً من تقديم الحلول الواقعية.
ورغم تصدر هذه الشخصيات للمشهد الوظيفي، إلا أن السلطة الرسمية التي تُمنح لهم لا تعوض افتقارهم للتأثير الحقيقي بين زملائهم. فالقرارات الكبرى تتطلب صلابة في الموقف واستقلالية في الرأي، ومن اعتاد على تكييف رؤاه لتتطابق دائماً مع توجهات الأعلى، يصعب عليه أن يقف بثبات لاتخاذ قرارات حاسمة في لحظات الأزمات، لتُبتلى المؤسسات بقيادات تمتلك صلاحية التوقيع، وتفتقد تماماً لوزن الاعتبار المهني.
خلل المعايير: من يُصلح المِلح إذا المِلح فسد؟
يقول التساؤل الفلسفي القديم: “من يُصلح الملح إذا الملح فسد؟”.. وهذا بالضبط ما يصف محاولات التطوير داخل كيان يستند تقييم الأداء في أعلى هرمه على معايير الولاء الشخصي والمديح، لا الإنجاز العملي. القيادة هي ملح المؤسسة الذي يحفظ توازنها ويضبط إيقاعها، وإذا تحولت هي نفسها إلى راعٍ لثقافة التملق، فمن أين يأتي الإصلاح؟
في مثل هذه المناخات، تصبح محاولة التطوير من القواعد الدنيا بالغة الصعوبة. تفقد اللوائح والدساتير التأسيسية صرامتها، وتتحول إلى نصوص مرنة تُطبق بحزم في مواضع، وتُتجاوز عبر “استثناءات” في مواضع أخرى لصالح المقربين. هنا، يتراجع وزن الهيكل الإداري الرسمي لتطفو على السطح شبكات العلاقات غير الرسمية، ويُصبح بقاء الفرد مرتبطاً بمدى اندماجه في هذه الشبكات وقدرته على استشراف وتلبية تطلعات صانع القرار.
التباعد المهني: طوق النجاة للكفاءات في البيئات المعقدة
أمام تراجع معايير التقييم الموضوعي، تجد الكفاءات المهنية وأصحاب الرؤى أنفسهم أمام تحدٍ معنوي كبير. هنا يبرز مفهوم “التباعد المهني” كمسار ثالث وفعال للبقاء والإنجاز دون التخلي عن المبادئ.
يتطلب هذا المسار سحب التوقعات بوجود تقدير منصف من بيئة العمل غير المواتية، وتحويل بوصلة الارتباط بالكامل نحو الغايات الكبرى للكيان ورؤيته الأصيلة. يتحول الموظف الكفء في هذه الحالة إلى مرجعية ذاتية داخل دائرته، يمارس عمله بمهنية كقدوة حية، معتمداً على خبرته ورأس ماله المعرفي كدرع واقٍ يحفظ استقلاليته.
في هذه الحالة، يكون التركيز منصباً على:
التوثيق الدقيق: الاعتماد على لغة الأرقام والإنجازات لحماية المسار المهني.
احترام الأطر: الالتزام الصارم باللوائح للوقاية من أي ثغرات إدارية أو تجاوزات.
خلق واحات نزاهة: بناء مساحات عمل صحية مصغرة ترعى الأجيال الجديدة وتحميها من التأثر بثقافة المسايرة المطلقة.
خاتمة: شمس الحقيقة واختبار الزمن
المؤسسات لا تحيا بالنصوص التنظيمية وحدها، بل بالروح التي تُبث في تلك النصوص. القيادة التي تُحاط دائماً بأصوات الموافقة و”كساري التلج”، عليها أن تدرك أن منظومتها تشبه تماماً القلاع المبنية من الجليد؛ قد تعكس الضوء وتبدو مبهرة في ظروف الاستقرار، لكنها تفقد تماسكها سريعاً وتذوب عند أول اختبار حقيقي تشرق فيه شمس الأزمات، لأن الأساس هش. بناء الكيانات المستدامة والقوية سيبقى دائماً بحاجة لقادة يدركون أن التطور الحقيقي ينبع من تقبل التقييم الموضوعي، وأن النقد البناء هو الحارس الأول للمؤسسات من الفساد.


