
عباس احمد السخي
لقد آن الأوان لنعترف أن معركة السودان الكبرى ليست فقط مع السلاح والفساد والسلطة الغاشمة، بل هي أيضًا معركة تحرير العقل من قيوده القديمة، والانعتاق من أغلال الجبرية التي ظلت تُكبّل وعي الجماهير، وتحول بينهم وبين القدرة على التغيير. وكي نبني وطنًا حرًا ومستقبلاً مستنيرًا، لا بد من العمل على ترسيخ وجدان نقدي صيروري، يدرك أن التاريخ يُصنع بالفعل لا بالانتظار، وبالمساءلة لا بالتبرير، وبالاجتهاد لا بالركون إلى ما يسمّى بـ”المكتوب”.
في ما يلي محاور عملية ضرورية لبناء هذا الوعي البديل:
1. إصلاح التعليم والمناهج: عقلٌ لا يُروَّض بل يُحفَّز
الخطوة الأولى نحو التغيير تبدأ من المدرسة، لأنها ميدان بناء الإنسان. لا بد من تطوير مناهج تعليمية حديثة تقوم على:
• تنمية القدرة النقدية لدى التلاميذ، بدلاً من الحفظ الأعمى والتلقين.
• إدخال موضوعات عن حقوق الإنسان، فلسفة الأخلاق، قيم المواطنة، والتفكير العلمي.
• إدراج التاريخ الفكري العالمي، بما فيه من نماذج تحررية وتجارب شعوب قاومت السلطة الدينية الجبرية.
• التركيز على التعليم الإبداعي والفني كوسيلة لتوسيع المدارك وكسر التابوهات.
كما يجب إعادة الاعتبار لمشروع الدكتور عمر القراي بوصفه نموذجاً شجاعاً لمواجهة قوى الجهل والتخلف.
2. دمج المجتمع في عصر المعرفة: الإنترنت والإعلام التنويري
الجبرية تترعرع في الظلام، أما المعرفة فهي النور الذي يبددها. لذا فإن ضمان وصول الناس إلى مصادر المعلومات التعددية ضروري، عبر:
• نشر الإنترنت في كافة الأرياف والقرى، وتوفير شبكات رخيصة وآمنة للوصول إلى العالم.
• إنشاء منصات إعلامية مستقلة تخاطب العقل، وتحترم ذكاء الجمهور، وتُقدم محتوى توعوي تحرري.
• التصدي للحملات الدينية الجبرية التي تُبث من منابر الدولة أو وسائل التواصل، بوسائل نقدية ذكية ومتزنة.
لا يمكن بناء وجدان صيروري في بيئة مغلقة ومعزولة عن العالم، لذلك فربط الشباب السوداني بثقافة العصر خطوة استراتيجية لتحريرهم من كهوف الماضي.
3. إحياء دور المسرح والجمعيات الأدبية والندوات العامة
في الزمن الذي كانت فيه المساجد تُكرّس الخوف والطاعة العمياء، كان المسرح – حين أُتيحت له المساحة – ينفث في الناس روح التساؤل والتفكير والضحك الناقد. ولهذا:
• يجب إعادة تمويل وتفعيل المسارح في المدن والأقاليم، وتوفير حماية قانونية للمبدعين.
• دعم الجمعيات الثقافية والأدبية في الجامعات والأحياء، وإتاحة المنابر الفكرية الحرة للشباب والطلاب.
• تشجيع المعارض الفنية، والأمسيات الشعرية، والنقاشات المفتوحة، التي تحرّض على التأمل لا الانقياد.
الفن والثقافة أدوات فعالة في تفكيك الخطاب الجبري وتقديم بدائل إنسانية جذابة وملهمة.
4. تمكين المجتمع المدني في التوعية والتحصين النفسي
التحول إلى وجدان نقدي لا يتم عبر الدولة وحدها، بل يحتاج إلى مجتمع حي يمتلك أدوات المبادرة والضغط والمساءلة، وذلك من خلال:
• تمكين المنظمات المجتمعية المعنية بالتربية والتثقيف والحوار المجتمعي.
• إطلاق برامج محو الأمية العقلية لا المعرفية فقط، تُعلّم الناس كيف يسألون لا كيف يحفظون.
• تدريب الأئمة والشيوخ في برامج تأهيل ديني عقلاني، قائم على مقاصد الدين لا على تكرار المقولات الجامدة.
خاتمة: من قدرية الماضي إلى صناعة المستقبل
الانتقال من الوجدان الجبري إلى الوجدان الصيروري في السودان ليس رفاهية فكرية، بل هو شرط لبقاء الدولة نفسها، وإلا ستظل الأجيال تائهة بين طغاة يتلحفون بالقدر، وعوام يخشون السؤال.
حين يؤمن السودانيون أن مصيرهم بأيديهم، وأن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، حينها فقط سنطوي صفحة الاستبداد والخرافة، ونفتح صفحة الحرية والمعرفة.
ذاك هو الطريق الأصعب، لكنه الطريق الوحيد.




