
د. خالد تارس
يا أيها القَتّله، للاسف اخترتم السماء لتكون ساحة استعراضكم الأخير. لكن هل تظنون أن الصواريخ والطائرات قادره على محو شعوب الأرض، السؤال: متى أنهت براميل الكيماوي وضرب الانتونوف للكومة حتى تبدأ بيرغدار اقنجي غاراتها الحارقة لابادة ماتبقى من الحياة على هذه البلده. كيف تجرأت قوى الشر في بورتسودان على ارتكاب مجزرة جديدة في الكومة ضحيتها ثلاثين مواطناً بين قتيل وجريج. هل هي محاولات اخيرة لترويض إرادة من يرفض الخنوع لمشروع الاسلام السياسي.؟
ان الوهم الجوي الذي يتخندق خلفه القتلة من بورتسودان إلى الدوحة حتى اسطنبول، حتى لو منحكهم انتصاراتٍ لحظية مزيفة، لن يمنحهم أبداً الشرعية على التخلص من قوى الحرية والديمقراطية في السودان، ولن يسمح لهم بكتابة نهاية التاريخ على مشروعهم الملطخ بالدماء. ومنذ اندلاع المواجهات العسكرية في الخرطوم في الخامس عشر من أبريل، لم يعد هذا الصراع حرباً للسيادة، بل تحوّل إلى مجازر استنزاف وقودها المدنيون الأبرياء، الذين أصبحوا ثمناً رخيصاً للتشفي والحقد السياسي والتهافت على السلطة، وبذلك دفعوا الملايين إلى دهاليز التشريد والحرمان.!
إن اللجوء المُخزي إلى المجال الجوي كوسيلة لابادة الناس وتدميرالاعيان، هو اعترافٌ ضمني بالعجز عن المواجهة العسكرية الشريفة مع الخصم الحقيقي على الأرض. وبدلاً من ذلك، يلجأ الجبناء إلى أرخص أنواع الانتقام وأكثرها جبناً، قصف المواطنين البسطاء وتدمير مقوّمات حياتهم الطبيعية. تشريد المزارعين، وإحراق القرى، وإخراج الرعاة من مراعيهم، هذا التخطيط لم يعد مجرد تكتيك عسكري طائش، بل هو استراتيجية سياسوية ممنهجة لقوى المركز. ففي عقلية القاتل المتغطرس، يظن أن تكسير البنية التحتية للمجتمع المدني ونسيجه الاجتماعي سيضمن له البقاء في السلطة ويخمد أي لهيب للمقاومة (المسلحة). لكن التاريخ، بسجلاته الثقيلة، علّم الناس أن كل نظام يبني حكمه على انقاض الخوف والتدمير، إنما يبنيه على رمال متحركة محكومة بالانهيار. وكل بيتٍ يُقصف، ومزرعة تُنهب، ونزوح يُفرض قسراً، يضخّ في شرايين الوطن مزيداً من العداء والكراهية التي ستعود يوماً عليهم بموجة سياسية ثورية لا تقل قساوة عن فظائع طائراتهم المتهوره.!
فما يزيد الطين بلّة، هو ذلك الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيرة لتحويل الحرب إلى حملة قمع جوي ممنهج على المواطنين، ويكشف ذلك عن هشاشة شديدة في المشهد العسكري والسياسي الذي يستند إليه هولاء القتله. فالتقارير الموثقة، تتحدث عن انتشار طائرات (باريغدار أقنجي) في ساحات الحرب السودانية، وهي طائرات تركية يستخدمها جيش بورتسودان في الهجوم على كردفان ودارفور بشكل عشوائي. وهنا يرتفع السؤال السياسي والأخلاقي، من يمول ويزود هذه العصابة بالقدرة على إحداث هذا الكم الهائل من القتل الجماعي فوق رؤوس المدنيين؟ ولا يجوز لاي مراقب أن يغض بصره عن الجهات والشركات التي تمدّ هذا الجيش وداعميه من قوى الإسلام السياسي بمنصات جوية متقدمة أو قطع غيار حيوية. يجب أن نضع هذه التقارير التي تكشف عن عمليات تدويل للصراع السوداني أمام ضمير المجتمع الدولي، ليعرف الجميع من هم شركاء الدم في المنطقة. وان المحاسبة يجب أن تطال كل من قدم الدعم والعتاد في احراق الكومة وبواديها.
في هذا المشهد المروع، تبقى العدالة ليست مجرد حلم ثانوي يمكن تأجيله أو التغاضي عنه، بل هي الشرط الوجودي الوحيد لوقف دورة الانتقام. ولا ينبغي أن يُسمح للمتورطين في جرائم حرق الكومة بالإفلات من المحاسبة، أياً كانت طبيعة نفوذهم. يجب ضمان إجراء محاكمات عادلة وعلنية، تُقيّم كل فعل منافٍ لحقوق الإنسان، وفق المبادئ الصارمة للقانون الدولي. وان يتم عرض الأدلة أمام محاكم دولية مستقله، دون مواربة. إن العبء التاريخي والحقوقي الملقى على عاتق المجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية واضح جدا وصريح، حيث أن حماية المدنيين من القصف الجوي (الكيماوي)، وتوثيق الانتهاكات بكل تفاصيلها الدقيقة، وإغلاق طريق الإفلات من العقاب بشكل تام وحاسم.!
أيها القتلة، يجب أن تفهمَوا أن البربرية التي مارستموها اليوم بغطاء جوي لن تضمن لكم البقاء على الارض غداً، سوف تسرع بسقوطكم من المشهد السياسي إلى الأبد، وتُكرّس عُزلة نظام الابادة الجماعية الذي يعتمد القمع والتدمير كأداة للحكم. حيث ان قوّة الطيران مهما كان تطورها، لن تكسر إرادة الأرض الثائرة في الكومة؛ وأنّ النهاية لمن يزرعون الكراهية والخراب ستكون هزيمةً تاريخية لا يمحوها النسيان، وقضيةَ حقوق الضحايا والاقتصاص لهم لن يروّضها الصمتٌ الدولي المخجل، حيث تبقى السماء للغادر الجبان، والأرض للأبطال.




