رأي

غباء الطمع وقِصر البصيرة: كيف توّج السودانيون الرباعية وصياً على مصيرهم؟

منال علي محمود

مدخل لا بد منه: وصاية بطلب محلي
ما جرى في السودان في السنوات الأخيرة لم يكن إلا سلسلة من التنازلات الطوعية، سُلّمت فيها مفاتيح القرار الوطني لقوى خارجية، تحت غطاء “الحل الدولي” أو “الانتقال المحروس”. وليس من الغرابة أن تتحول الرباعية (أمريكا، بريطانيا، السعودية، الإمارات) إلى وصي فعلي، لا يحتاج حتى إلى تفويض رسمي، بعدما أصبح صوتها أعلى من كل صوت سوداني.
لكن ما يجعل المشهد أكثر عبثية، هو أن هذا التتويج تمّ من داخلنا، بيد بعضنا، لا بضغط خارجي فقط.
فالنظام السابق – الذي لا يزال حاضراً بسلوكه – لم يتردد في ارتكاب الفظائع بحق شعبه، وقتل ما لا يقل عن ثلاثمائة ألف دارفوري لأتفه الأسباب، كما اعترف رأسه بنفسه، ثم غطّى على تلك الجرائم بتدويل الانتهاكات، جالباً قوات “اليوناميد” تحت البند السابع، في سابقةٍ كانت وما زالت تُقرأ دوليًا كدليل على عدم أهلية السودانيين لحل أزماتهم بأنفسهم. وكأنك يا أبو زيد لا رحت ولا غزيت .
الخوي: جريمة تستدعي الوصاية؟
ما جرى في الخوي، كما في عشرات المدن والقرى الأخرى، من طحن وسحق وترويع للمدنيين، يُقدّم للعالم على طبق من دم، حجته المفضّلة: “هؤلاء لا يحسنون إدارة شؤونهم… إذًا يحتاجون للوصاية”.
ما حدث في الخوي يضعنا، نحن السودانيين، أمام مرآة قاتمة، هل بلغنا هذا الحد من التهور وانعدام التقدير السياسي والعسكري؟ هل بات الصراع على الخراب أكثر أهمية من الحفاظ على ما تبقى من الوطن؟
وما حدث للجيش والقوى التي تقاتل إلى جانبه هناك، هو ترجمة حيّة أمام المجتمع الدولي لمفهوم “عدم تقدير الموقف”. فحين تُدفع القوات إلى معارك لا تحتملها جغرافياً أو بشرياً أو لوجستياً، ثم تُترك لتُسحق بهذا الشكل، فإن الرسالة التي تصل إلى الخارج هي: هؤلاء يفتقرون إلى الرشد العسكري والسياسي، ولا يملكون قرارًا استراتيجيًا ناضجًا.
كل رصاصة تُطلق على المدنيين، كل بيت يُنهب، كل مجاعة تُصنع عمدًا، تمنح الخارج ذريعة إضافية للتدخل، وتُقنع – أو تتيح له أن يدّعي – أن السودان بلد “غير راشد سياسيًا” ويحتاج إلى وصاية دولية.
توسعة الرباعية: خطوة لحل الإشكال أم لإضعافه؟
منذ لحظة الإعلان عن “الآلية الموسعة”، بدا كأن الرباعية نفسها لم تَعُد كافية، وأن القوى الدولية تريد توسيع دائرة القرار لا لحله، بل لإضعافه وتفريغه من معناه. كل إضافة جديدة للمنصة تعني مزيدًا من التنازلات، لا مزيدًا من التوازن.
لماذا الاقتتال مستمر رغم قبول الرباعية؟
رغم فظاعة الحرب، لم نرَ حتى الآن رفضًا صريحًا من أطراف النزاع لمبدأ حل الأزمة عبر الرباعية. الكل يقاتل، لكن لا أحد يرفض المنصة الدولية. فما الذي يجري فعلاً؟
الجواب المؤلم هو التالي:
الاقتتال ليس رفضًا للرباعية، بل تمهيدٌ لها.
كل طرف يسعى لدخول قاعة التفاوض من موقع القوة، لا من موقع المساواة. لذلك تستمر الحرب، لا لأنها وسيلة للحسم، بل لأنها ورقة ضغط على طاولة مفاوضات ستقودها الرباعية أو من تختاره.
لا أحد يريد أن يُحرج أمام تياره الداخلي.
تيارات “دعم الحرب” داخل الأطراف المتقاتلة ترى في القتال إثباتًا للصلابة والقوة. ولهذا، يُستخدم استمرار المعارك كغطاء سياسي لتجنّب الظهور بمظهر الضعيف أو المتردد أمام القواعد العسكرية والموالين.
نادي بل بس وأمثاله يضغطون، ولكن بصمت.
الضغوط موجودة، خصوصًا من الدول الداعمة والممولة. يرى بعضها أن تأخير التفاوض يُضعف الخصم ويقوّي الحليف. لذا، صار منطق بعض أطراف النزاع: “نُواصل القتال حتى تأتي إشارة التوقف من الرباعية.”
منطق خطير
هذا منطق خطير، لأنه:
يُسقط المسؤولية عن الفاعلين السودانيين.
يجعل الدم السوداني مجرد أداة تفاوض.
ويُكرس فكرة أن الخلاص لا يُصنع في الداخل، بل يُمنَح حين يرضى الخارج.
خاتمة: الحل ليس في البلّ… بل في السلام
الحل ليس في البلّ، فقد امتلأت الأرض وتشبعت (وتبللت) بدماء أبنائها.
ليس في رفع عدد الضحايا، ولا في تغيير أماكن المقابر، ولا في عد الجثث.
الحل في السلام، لكن ليس أي سلام. ليس السلام الذي يُفرض من الخارج على شعب مغيب، ولا السلام الذي يُوقع في الفنادق ثم يُدفن في الميادين.
وهنا السؤال الأهم:-
هل السلام يرضي الأطراف المتصارعة؟
هل تقبله الرباعية التي نصبت نفسها راعية للحل؟
أم أن السلام، كفكرة ومبدأ، أصبح عدوًا لمصالح من اعتادوا القتال كأداة للتمكين؟
ثم الأهم من كل هذا،
هل الشعب السوداني نفسه مُدرج في هذه الحسابات؟
هل ما زال موجودًا كطرف في المعادلة، أم تحوّل إلى (موضوع للنقاش) يُتحدث باسمه ويُقرَّر له، دون أن يُسأل أو يُستشار؟
السلام الذي لا يبدأ من الناس ولأجلهم، ليس سلامًا…
هو هدنة بانتظار مجزرة جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!