رأي

التفاوض بوهم القوة: كيف يحاول الفشل العسكري أن يرتدي ثوب السياسة

سعيد حسن النور

 

سعيد حسن النور

حين يعجز السلاح عن الحسم، يحاول الخطاب أن يصنع انتصارًا لغويًا لا وجود له في الواقع

ليس من السهل على أي متابع عاقل أن يستوعب طبيعة الخطاب الصادر عن قائد الجيش في بورتسودان دون أن يضعه في سياقه الحقيقي: سياق الفشل العسكري المتراكم، والعجز السياسي المزمن، والانفصال شبه الكامل عن الوقائع على الأرض. فما يُطرح اليوم من شروط تفاوضية لا يشبه مقترحات تسوية، ولا يمت بصلة إلى منطق الدول أو أعراف الحروب، بل يكشف عن ذهنية مأزومة تحاول الهروب إلى الأمام بالكلمات بعد أن انهزمت بالوقائع.

التفاوض كتعويض نفسي عن الهزيمة

في السياسة كما في الحروب، التفاوض لا يبدأ من فراغ، بل من ميزان قوى واضح. الطرف الذي يفرض شروطًا هو الطرف المتقدم ميدانيًا، أما الطرف الذي يطالب بما يستحيل تحقيقه، فغالبًا ما يكون يبحث عن تعويض نفسي وسياسي لفشل لم يعد ممكنًا إنكاره. الحديث عن خروج قوة مسلحة متقدمة على الأرض وتسليم سلاحها دون مقابل، ودون سياق سياسي شامل، لا يعكس عقلية سلام، بل يعكس حالة إنكار حادة لواقع لم يعد قابلًا للتجميل.

هذا النوع من الطرح لا يصدر عن رجل دولة رشيد، بل عن سلطة تعيش صدمة التحول من موقع المبادِر إلى موقع الملاحِق للأحداث، وتحاول عبر الخطاب إعادة صياغة واقع لم يعد يخضع لإرادتها.

 الوقائع الميدانية أقسى من البيانات

البيانات والخطب لا تغيّر خرائط السيطرة. الواقع الميداني، مهما حاول البعض تجاهله، يفرض منطقه الصارم. منذ إعادة الانتشار وإعادة ترتيب الصفوف، شهدت ساحات القتال تغيّرات واضحة، تمثلت في تمدد وسيطرة وتموضع استراتيجي في مناطق ذات أهمية عسكرية واقتصادية. هذه ليست روايات إعلامية، بل وقائع شهدها الناس، وتناقلتها مصادر متعددة، ولم يعد بالإمكان إنكارها.

في المقابل، يعاني الجيش المختطف من قبل جماعة الإخوان المسلمين من إنهاك واضح، وخسائر فادحة في العتاد والأرواح، وانكشاف بنيوي ناتج عن سنوات من التسييس والتجريف المهني. ومن يظن أن هذه المعطيات يمكن القفز فوقها بخطاب متعالٍ، إنما يسيء قراءة المشهد قراءة كارثية.

 أسطورة “التمرد” وتزييف جوهر الصراع

الإصرار على توصيف ما يجري بأنه “تمرد” ليس بريئًا ولا دقيقًا. إنه توصيف سياسي مقصود، هدفه إخفاء حقيقة الصراع وتبرئة الانقلاب العسكري من مسؤوليته المباشرة عن إشعال الحرب. التمرد الحقيقي لم يكن عسكريًا فقط، بل كان سياسيًا حين انقلب الجيش على الاتفاق الإطاري، وأغلق باب الانتقال المدني، وأعاد البلاد إلى مربع الصراع الصفري.

هذا الخطاب لم يعد مقنعًا، لأن السودانيين باتوا أكثر وعيًا بجذور الأزمة. لم تعد المشكلة في بندقية هنا أو هناك، بل في مشروع دولة مُصادَر، ومؤسسة عسكرية مُختطفة، ونخبة أيديولوجية ترى في الحرب وسيلة للبقاء.

رؤية سياسية في مواجهة سلطة بلا شرعية

الفرق الجوهري في هذا الصراع لا يُقاس فقط بعدد الجنود أو خطوط الإمداد، بل يُقاس بالـرؤية السياسية. في مقابل سلطة فاقدة للأهلية والشرعية، تستند إلى أجهزة أمنية وأذرع أيديولوجية قديمة، تبرز رؤية أخرى أكثر اتساعًا، قائمة على تحالفات سياسية واجتماعية عريضة، تشمل قوى أساسية وقوى الهامش التي طالما دُفعت خارج معادلة الحكم.

هذه الرؤية، مهما اختلف حولها البعض، تمتلك ميزة حاسمة: أنها تخاطب جذور الأزمة السودانية، لا مظاهرها فقط. تتحدث عن إعادة بناء الدولة، وعن العدالة، وعن إنهاء مركزية الإقصاء، وعن تفكيك دولة الامتيازات التي ورثت من عهد الاستعمار ووكلائه المحليين.

هستيريا السلطة ونهاية خطاب بلا رشد

ما نشهده اليوم من لغة متشنجة وشروط تفاوضية خيالية ليس إلا رد فعل هستيري من سلطة تدرك في قرارة نفسها أن الزمن تجاوزها. إنها بقايا دولة قديمة، دولة أبارتهايد سياسي واقتصادي، تحاول النجاة عبر الحرب بعدما فشلت في السياسة.

التاريخ لا يُدار بالإنكار. كل تجربة حكم قامت على الإقصاء والعنف انتهت إلى ذات المصير: السقوط. ومحاولات إلباس الفشل ثوب “الحزم” لا تغيّر من الحقيقة شيئًا، بل تسرّع لحظة الانهيار. فالدول لا تُدار بالعقلية الأمنية، ولا تُبنى بإلغاء الشراكة الوطنية، ولا تُنقذ بإشعال الحروب.

في النهاية، من يراهن على استسلام قوة تمتلك رصيدًا جماهيريًا وتحالفات سياسية واسعة، إنما يراهن على وهم. ومن يعتقد أن الكلمات يمكنها محو الوقائع، إنما يسيء فهم التاريخ. السودان مقبل على مفترق طرق، ولن يكون المستقبل لمن يُنكر الأزمة، بل لمن يعترف بها ويواجهها بعقل ورؤية ومسؤولية وطنية حقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!