
مجدي محمد مصطفى
مقدمة:
لم يعد من الممكن الحديث عن خلاصٍ وطني حقيقي في السودان، دون مواجهة جذرية مع التاريخ السياسي المسموم الذي كرّسته النخب القديمة. هذا التاريخ، بكل ما فيه من تواطؤ، وإقصاء، وفساد، وتحالفات جهوية وعنصرية، هو أساس الكارثة المستمرة اليوم.
لقد حان الوقت لـ نزع الشرعية الأخلاقية والتاريخية عن هذه النخب، التي احتكرت تمثيل السودان لعقود، وقادته من فشل إلى آخر، حتى أوصلته إلى الحروب الأهلية، والتقسيم، ثم الانهيار الكامل للدولة.
النخبة القديمة: من هم؟
النخب التي نقصدها هنا ليست فئة سياسية بعينها فقط، بل:
الزعامات الطائفية والقبلية التي نصّبت نفسها أوصياء على الناس منذ الاستقلال.
العسكريون الذين تعاقبوا على الحكم بانقلابات مبرمجة لصالح تحالفات طبقية.
الإسلاميون الذين حوّلوا الدولة إلى جهاز قمع ديني أمني.
رموز الأحزاب التقليدية الذين نالوا نصيبهم من الكعكة ثم باعوا قضايا الجماهير.
التكنوقراط المتواطئون الذين برّروا القمع وأداروا المؤسسات بضمير ميت.
ما الذي يجعل هذه النخبة غير شرعية؟
1. انعدام الأخلاق الوطنية:
تواطؤها مع كل الأنظمة الاستبدادية مهما كان لونها.
صمتها عن المجازر والانتهاكات، بل ومشاركتها فيها أحيانًا.
استغلالها لقضايا الهامش والحقوق لتقاسم السلطة فقط.
2. تاريخها قائم على القمع والإقصاء:
السودان لم يعرف تداولًا ديمقراطيًا حقيقيًا بسبب هذه النخب.
كل تجارب الديمقراطية كانت هشة لأنها أعادت تدوير نفس الوجوه.
3. تحالفها مع قوى الهيمنة الخارجية:
تموّلت من الخارج، وفتحت الأبواب للتدخل الأجنبي، مقابل تثبيت مواقعها.
لم تضع الوطن أولًا، بل نفسها دائمًا.
4. عجزها عن تقديم مشروع وطني جامع:
النخب القديمة لا تمتلك رؤية لبناء دولة مواطنة، لأنها نتاج دولة التمييز.
كل مشروعها كان قائمًا على “المحاصصة” أو “التمكين”.
نتائج استمرار شرعيتها:
استمرار الحرب والاقتتال الأهلي.
انسداد الأفق السياسي والاقتصادي.
ضياع الثقة بين المواطن والدولة.
تكرار نفس الأزمات كل عقد، دون تغيير في الوجوه أو النهج.
مهمة الجيل الجديد: النزع الكامل للشرعية
ليس المطلوب فقط إسقاط النخب سياسيًا، بل:
إسقاطها أخلاقيًا وتاريخيًا:
فضح تاريخها بجرأة.
توثيق جرائمها وتحالفاتها المشبوهة.
كشف نفاقها السياسي.
بناء بديل وطني نقي:
قائم على قيم جديدة: الشفافية، المواطنة، الكفاءة.
لا يعيد إنتاج أي جزء من النظام القديم (حتى بوجوه جديدة).
لا يخضع للابتزاز باسم “الحكمة” أو “الخبرة” أو “الشرعية التاريخية”.
خاتمة
السودان لن ينهض طالما أن النخب التي دمرته لا تزال تحاضر في الوطنية
ولن يبنى وطن عادل بأدوات النفاق والخذلان والأنانية
إسقاط النخبة القديمة هو الخطوة الأولى لبناء جمهورية السودانيين، لا جمهورية الزعامات.




