
د. فاطمة الزين الغالي – كليفورنيا
في كل قلب منّا مدينة، مدينة لم نختَرها بقدر ما اختارتنا، ربّما لأننا فيها ولدنا، أو فيها عشنا أولى ملامح الحياة، أو لأنها كانت المكان الذي تسلّلت إليه مشاعر الطفولة الأولى، وملأتنا بالألفة والحنان والدهشة. أما أنا، فلي مدينتان، لا تكتمل ذاكرتي إلا بهما: الأبيض والفاشر. مدينتان لا تفترقان في وجداني، كما لا تفترق شقيقتان في قلب أمّ واحدة.
كان والدي، الزين الغالي، عليه رحمة الله، مدرسًا للأحياء في المدارس الثانوية، يتنقّل بين الأبيض والفاشر، حاملاً علمه ومحبته وسيرته العطرة. وكنت أنا، ابنته التي رافقته في بعض المحطات، عشت بين المدينتين وتفتّحت عيناي فيهما على الحياة، كما يتفتح زهر النيم في صباحات الأبيض الرطبة، أو زهر الهبيلة في أمسيات الفاشر الناعسة.
في الأبيض، بدأت سنواتي الأولى، درست المرحلة الأساسية والمتوسطة، وعندما آن أوان الشهادة الثانوية، عدت إليها، إلى عروس الرمال، وجلست للامتحان من بيت خالتي الحبيبة ثريا الأمين، أطال الله في عمرها وبارك في ذريتها. الأبيض بالنسبة لي ليست مدينة عابرة في السيرة الذاتية، بل هي بداية التكوين، ومهد الطفولة، حيث وجدت في حاراتها وأزقتها ملامح الحياة الأولى، واختبرت فيها معنى الدهشة الأولى والضحكة الأولى والدمعة الأولى.
أما الفاشر، فقد دخلتها في الصف الثالث متوسط، وبقيت بها حتى نهاية الصف الثاني الثانوي. هناك، في تلك المدينة الوديعة، تعرّفت على عالم جديد مليء بالتداخل الأسري والدفء الاجتماعي. عشت في حي الكرانك، حيث كانت تسكن غالبية الأسر القادمة من أنحاء السودان المختلفة، من مدن الوسط والشمال والجنوب والشرق، يعملون في المهن النبيلة: التعليم، الطب، الهندسة. هناك لم يكن سؤال الانتماء إلى قبيلة أو جهة مطروحاً، بل كان الجميع ينتمون إلى المدينة كأمّ حنون للجميع.
تقول الأساطير في الفاشر إن من شرب من بئر حجر قدو، لا بد أن يعود إليها مهما طال السفر وتباعدت المسافات. ولعلني كنت واحدة من أولئك الذين تشرّبوا بماء حجر قدو دون أن يدروا، فقد غادرت المدينة جسدًا، ولكن قلبي ظل معلّقًا بها، يحنّ إلى حواريها، وأسواقها، ووجوه ناسها الطيبين.
في الفاشر لا تكون في حيّ دون أن تكون على صلة ببقية الأحياء. من حي القبة إلى حي التكارير، من الوكالة إلى العظمة، كنت أشعر أنني جزء من نسيج اجتماعي متماسك، لا تسوده الفوارق، بل يسكنه العطاء والبساطة والكرم. ناس الفاشر يزرعون فيك الحب دون أن يدركوا، يبثّون فيك الخير كمن يزرع وردًا على قارعة الطريق، دون أن يسأل لمن؟ ومتى؟ ولماذا؟
وإذا كانت الفاشر مدينة تُشبه القلب في دفئها واتساعها، فإن الأبيض هي الروح في رهافتها وصفائها. في الأبيض، كانت الطبيعة تتآلف مع الناس، وتخلق مزيجًا فريدًا من الجمال والتنوع. لا زلت أذكر كيف كنا نخرج من الفصول لنلعب تحت أشجار النيم، وكيف كانت ضحكات الطفولة تملأ المكان وكأنها نشيد من زمن صافٍ. الأبيض لم تكن فقط مدرسة وجدرانًا، بل كانت حياة كاملة، حيّة، تسير على قدميها، وتعلّمك من غير دروس.
كلا المدينتين، الأبيض والفاشر، حملتا في قلبهما كل السودان. فهما ليستا فقط موطنين لي، بل ملاذان لكل من ضاقت به الدنيا، فاحتضنتاه بمحبة نادرة، ودون أن تسألانه عن اسمه الكامل أو عن قبيلته أو لونه أو لغته. في كل حيّ من أحيائهما، تلتقي بثقافات متعددة، ولهجات شتى، ولكنك لا تشعر بالغربة أبدًا، لأن الكلمة الفاصلة كانت دائمًا: “أهلاً وسهلاً، بيتك هنا”.
حتى بعد أن ابتعدت المسافات واستقر بي المقام في كاليفورنيا، ظل الحنين إلى الأبيض والفاشر يأسرني، يوقظني في الليالي، ويستحضر الوجوه التي مرّت، والطرقات التي مشيت فيها، والأماكن التي كانت شاهدة على لحظات عابرة، لكنها بقيت محفورة في القلب. في الذاكرة مشهد لا يغيب: سوق الفاشر في عصر الجمعة، أو أمسيات الأبيض برائحة التراب بعد المطر، أو صوت الأذان في حيّ الكرانك مع نسائم الفجر الأولى.
المدينتان، في نهاية المطاف، ليستا فقط مساحات جغرافية، بل كُتبتا في دفتري الداخلي كأغنية لا تنتهي. فيهما ترعرع الحلم، وتكوّن الوجدان، وتشكلت صورة الوطن الكبير. وكلما اشتدت غربتي، أعود إليهما بخيالي، وأشرب من ماء الذكريات، فأرتوي.




