
محمد تاج الدين الحلو
في المجتمعات التي تُكتب فيها الذاكرة بالصوت قبل الحبر، لا تموت الأصوات الصادقة، بل تتحول إلى تاريخ حيّ يسكن الوجدان. هكذا كانت الحكّامة حبسه جالي، ليست مجرد شاعرة شعبية، بل تجسيدًا حيًا لذاكرة أمة تختزن قيمها في الكلمة، وتستعيد حضورها عبر الإيقاع.
الحكّامة في الثقافة البدوية ليست دورًا عابرًا، بل مؤسسة قائمة بذاتها؛ فهي لسان القبيلة، وسجلها الشفهي، ومرآة وجدانها الجمعي. وفي هذا السياق، برزت حبسه جالي بوصفها واحدة من أبرز من حملن هذا الإرث، فصاغت بالكلمات ملامح الفخر، ونسجت بالصوت خيوط الانتماء.
لم تكن قصائدها مجرد تهانٍ في الأعراس أو أناشيد في المناسبات، بل كانت إعلانًا متجددًا للقيم التي يقوم عليها المجتمع: الكرم، الشجاعة، النخوة، والوفاء. كانت تبدأ بنداء يشق الصمت، ثم تمضي في بناء نصٍ بسيط المفردات، عميق الأثر، يصل إلى القلوب دون تعقيد، ويستقر فيها طويلاً.
ما ميّز حبسه جالي ليس فقط قدرتها على نظم الشعر، بل ذلك الحضور الصوتي الذي يحوّل الكلمات إلى حالة شعورية كاملة. كانت تُلقي قصائدها بإيقاع ينبض بالحياة، فتتجاوز حدود اللغة إلى فضاء أوسع، حيث يصبح الصوت ذاته حاملاً للمعنى. وهنا تكمن عبقريتها؛ في قدرتها على جعل المستمع شريكًا في التجربة، لا مجرد متلقٍ لها.
في بيئة تقدّر الكلمة وتمنحها مكانة عالية، استطاعت حبسه جالي أن تفرض حضورها، وأن تصبح مرجعًا في هذا الفن الشعبي الأصيل. فهي لم تنقل التراث فحسب، بل أعادت إنتاجه، وأضافت إليه من روحها وتجربتها، فصار أكثر قدرة على البقاء والاستمرار.
تنحدر من أولاد راشد، لكنها في الحقيقة تجاوزت حدود الانتماء الضيق، لتصبح صوتًا يعبر عن وجدان أوسع. صوتٌ يختزن تاريخًا من الأفراح والأحزان، ويعكس صورة مجتمع بأكمله في لحظاته المختلفة. لذلك، لم يكن حضورها مرتبطًا بمكان أو زمان، بل بذاكرة جماعية تتجدد كلما استُعيد صوتها.
رحلت حبسه جالي، لكن أثرها لم يرحل. بقيت قصائدها تتردد، وبقي صوتها حيًا في الذاكرة، يذكّرنا بأن الأمم لا تُبنى فقط بالسلاح أو السياسة، بل أيضًا بالكلمة الصادقة التي تحفظ هويتها وتمنحها القدرة على الاستمرار.
رحم الله حبسه جالي، التي كانت أكثر من حكّامة؛ كانت ذاكرة أمة، وصوتًا لا يزال يروي حكاية شعب، ويكتبها في قلوب أبنائه، حيث لا يمكن للنسيان أن يصل.




