
عماد اغبش
عندما استولى الإخوان على السلطة عام 1989 بانقلاب عسكري، لم يقدموا مشروعاً نهضوياً، بل حولوا السودان من بلد الحضارة والنيل والتنوع إلى ملاذ مفتوح للجماعات المتطرفة، فاستضافوا قيادات مصنفة دولياً كإرهابية، وعلى رأسهم أسامة بن لادن، مما أدى مباشرة إلى فرض عقوبات دولية قاسية، ووضع اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وربطه عالمياً بالعنف والتطرف.
لم يكتفوا بذلك، بل عملوا على تغيير هوية المجتمع السوداني، وفرضوا رؤيتهم الدينية الضيقة على الجميع، فحولوا النزاعات السياسية والمناطقية إلى صراعات طائفية ودينية، وارتكبوا انتهاكات خطيرة ضد الحريات الأساسية وحقوق الإنسان، خاصة ضد الأقليات الدينية والعرقية، كما تجلى بوضوح في قضية مريم إبراهيم التي هزت الرأي العام العالمي وكرست صورة سلبية قاتمة عن البلاد.
على مدار ثلاثة عقود، زرعوا الفتنة والانقسام بين مكونات الشعب، دمروا مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وأنشأوا كتائب مسلحة موالية لهم مثل “كتيبة البراء بن مالك” مارست العنف والقمع والانتهاكات، حتى اندلعت الحرب الحالية وظهرت بصماتهم واضحة في تأجيجها وإطالة أمدها، مما جعل السودان يُنظر إليه اليوم في كثير من الأوساط الدولية كرمز للفوضى والانهيار والمعاناة الإنسانية.
وما يثير القلق الأكيد أن هذا النفوذ لم ينتهِ بسقوط نظام البشير، بل أكد مبارك أردول، رئيس هيئة الموارد البترولية السابق، أن عناصر “الكيزان” لا يزالون يسيطرون على مفاصل الدولة الحساسة، وكشف أنه أبلغ رئيس الوزراء كامل إدريس شخصياً بهذا الواقع، محذراً من أن بقاءهم في مراكز القرار يمكنهم من عرقلة التغيير، حماية شبكات الفساد، وإبقاء الجروح مفتوحة.
ومع أن هذا لا يعني تحميل الشعب السوداني كله وزر هذه السياسات، ولا تعميم الحكم على كل من ينتمي للفكر الإسلامي، إلا أن الحقيقة المؤكدة أن سياسات التمكين والاستئصال التي انتهجتها قيادة الجماعة، واستمرار نفوذها حتى اليوم، ألحقت ضرراً عميقاً وطويل الأمد بسمعة السودان، ولا يزال إرثها الثقيل يثقل كاهل البلاد وشعبها، ويحول بينه وبين استعادة مكانته الحقيقية كبلد تسوده العدالة والتسامح.




