هل هي حرب البرهان أم حرب الإسلاميين ؟

خالد فضل
جماعة الإسلام السياسي السودانية سعت منذ خروجها للساحة السياسية في منتصف الستينات من القرن الماضي للسيطرة على السلطة , لم تتوان في حذق كل أساليب التنظيم , مستفيدة من تجربة الشيوعيين تحديدا بإعتبارهم التنظيم الأكثر نجاعة في التنظيم وبالتالي التأثير الفعلي على مجريات الأمور , بما في ذلك الهيمنة على القوة الضاربة للدولة ؛ الجيش . ولعل تجربة الشيوعيين في (إنقلاب/ حركة التصحيح) في يوليو1971م وما رافقها من حيثيات كشفت سهولة التغلغل والسيطرة على القوات المسلحة قد ساعدت الإسلاميين كثيرا في سعيهم الدؤوب للهيمنة على مقاليد السيطرة في البلاد , أسعفتهم عوامل شتى في ذلك , على رأسها وضوح هدفهم البسيط وهو السيطرة على الحكم بأي وسيلة , وعدم تقيدهم بسقف أخلاقي أو فكري في سبيل ذلك الهدف , يشفع لهم أمام تساؤلات قد تطرأ في أذهان أتباعهم , أنهم مسيرة قاصدة إلى الله . يتكئون على فقه الضرورة الذي يبيح كل المحظورات من أجل الغاية النبيلة وهي الحكم بما أنزل الله , مستغلين بالطبع هشاشة في الفكر الإسلامي عموما بحيث تطغى المظاهر على الجواهر في عادات عامة المسلمين . يكفي المرء منهم أن ترفع لافتة لا إله إلا الله فيسير خلفها ولو كان من يرفعها الشيطان الرجيم نفسه , مقنعا ذاته التي بين جنبيه بأن من خدعنا بالدين انخدعنا له , هكذا ببساطة تشكلت البيئة الإجتماعية الأخصب لهذه الفئة العقائدية . ولأن أفراد الجيش هم من هذا المجتمع نفسه , يكفي أن يتحول شعار الإستعداد مقتطف من آية (وأعدوا) فيتحول الولاء للتنظيم بصورة آلية إلى ولاء لله , حتى يهتف هاتف منهم في الحرب الأخيرة (كلنا براؤون ) .
لقد تحولت جلالات الجيّاشة المعتادة في معسكر جبل أولياء مثلا إلى هتافات التنظيم الإسلامي على يدي قائد المعسكر المرحوم محمد الأمين خليفة ؛ حسبما أورد الراحل د. منصور خالد في كتابه النخبة السودانية وإدمان الفشل . لم يتوقف الناس طويلا أمام دلالات هذا التغلغل حتى دهمهم الإنقلاب الصريح فجر 30يونيو1989م متوجا عمل عقدين وأكثر .
هل يتصور أحد من الناس أن التنظيم الذي استثمر جيدا في المشاعر والعواطف الدينية لعامة الناس سيتحول إلى تنظيم فكري راشد , سيطرح رؤى سياسية قابلة للنقاش والأخذ والرد ؟ إنّ قانون السوق العرض والطلب يمنح تجار الأصناف (درجة تانية) أفضلية في الأرباح على تجار الاصناف (درجة أولى) , ففي حين يتهافت الناس على متجر السلع الأرخص يغضون الطرف عن الجودة بحكم امكاناتهم المالية , يتهافتون كذلك على التنظيم الذي ينضد الشعار غض النظر عن فحواه , في مجتمع لم تتح له فرصة تقدم واستقرار ونماء . بل تقهقر وانحدار باستمرار وتلك حقيقة ماثلة لا تحتاج إلى كثير غلاط . فبينما كان تأخر وصول قطار الركاب إلى محطة سنار التقاطع يثير الإستياء حتى منتصف السبعينات , لم تعد هناك محطة قطارات أساسا في التقاطع , بل نقطة إرتكاز .لتحصيل الأتاوات من الحافلات . ولا أحد من الناس يتذكر القطر الطويل الذي اصابته دعوة المغني (فتدشدش حتة حتة ) , لقد تدشدش البلد كله وانفصلت منه عربات تقل ملايين الركاب , وما يزال الإنفصال جار . وما تزال شعارات جماعة الإسلاميين ماضية تؤلب الناس المتبقيين .
في هذه الأوساط نشأ البرهان , ترعرع في سلك الجندية , قضى أخصب وأنضر سنوات شبابه وعنفوان فتوته كضابط تدرج في الرتب حتى بلغ الفريق أول , وهو منغمس في شؤون تعضيد ملك الحكام الإسلاميين , يحارب حروبهم , يعادي من يعادون , يصالح من يصالحون , ينفذ ما يخططون دون طنطنة أو إبداء راي , وهم بحنكتهم وخبرتهم الطويلة في التغلغل منذ أيام النميري ومجالس شعبه ومجالس إدارات البنوك , يجيدون التاقلم مع كل الظروف , ليس هناك وجاء من أخلاق أو ركيزة من فكر ناصح أو مبدأ ثبات , فلكل حال لبوس , ولكل موقف تفسير , وما اكثر التراث المنشور , حتى البذاءة لها في فقه الحركة تأصيل , أما الكذب والتضليل فمباح بالدليل . ولأن البيئة خصبة لنمو الأوهام بانسداد آفاق الوعي والتنوير سارت القافلة لا تلوي بالرياح .
إنها حرب الإسلاميين بامتياز , ولكنها أيضا حرب البرهان , فهو لا ينفصل عنهم , ولن يستطيع , فليس لديه من سعة الأفق ما يجعله ينظر إلى ابعد من صدى الهتاف . هذا عنده دليل القبول , وهي خطة الفلول . دع الناس يهتفون جيش واحد شعب واحد , الجيش ليكن رمزه البرهان لا باس فهو طوع البنان , والشعب ليكن شعب ما بين النيلين والنيل , هذا يكفي . من هم خارج الحيز الإثني والجهوي ليسوا في عداد الشعب , من يتظاهرون تأييدا لتأسيس رعاع . ليس هناك مجال لفحص المشاريع , يكفي هنا رفع شعار الحكم لله , وهناك يدعون للرذيلة في شكل علمانية . فيختار المسلم البرئ دون تمحيص شرع الله . وموظف المحلية , رئيس القطاع , منسق الفئة , نقابي المنشأة , كلهم من عبيد الله المخلصين فهم من سدنة التنظيم العابد القانت المتبتل في محراب الصلاح .




