
لا للحرب، نعم للسلام… ليست مجرد عبارة تزين اللافتات أو شعارًا يتردد في المسيرات، بل هي صرخة أمة أنهكتها الحروب وتاقت إلى الخلاص. هي وعدٌ بأن ينهض السودان من تحت الركام، وأن يعود وطنًا للعيش لا ساحة للموت.
وفي قلب هذه الصرخة، تبرز صورة البقرة الصفراء الفاقع لونها التي تسر الناظرين، رمزًا للنقاء والصفاء، واستعارةً لما يمكن أن يكون عليه السودان إذا التقت الإرادات على إنهاء الصراع. صفرتها الفاقعة تذكّرنا بمواسم الخير، ودفئها يعيد إلينا طمأنينة الأرض قبل أن يطأها الدمار.
لكن دعاة الحرب، الذين اعتادوا على استثمار الفتنة، قد تشابه عليهم البقر. عميت أبصارهم عن إدراك أن السلام هو القوة الحقيقية، وأن الحرب ليست إلا حلقة مفرغة من الكراهية. تقودهم العنصرية والجهوية و القبلية الشفونية، ويغذيهم الانتقام بمطلقاته المتعددة، فيتخذون من الانقسام وقودًا لبقائهم، غير مدركين أنهم يحرقون ما تبقى من جسور الوطن. يرون في الصفاء ضعفًا، وفي التسامح تنازلًا، بينما هو الطريق الوحيد للنجاة.
التجربة الإنسانية تخبرنا أن الشعوب، حين تضع السلاح وتفتح قلوبها لبعضها، تستطيع أن تحوّل جراحها إلى دروس، ومآسيها إلى حوافز للنهوض. في عمقنا المحلي، عرف السودان لحظات سلام كادت أن تصنع واقعًا جديدًا، لكن صوت الحرب كان يعلو من جديد. وفي عمقنا الأفريقي، تلمع رواندا كنموذج يُحتذى، إذ اختارت المصالحة بدل الانتقام، والوحدة بدل الانقسام، والتنمية بدل الركود. اليوم، بعد عقود من المأساة، أصبحت رواندا قصة إلهام للقارة والعالم.
إن البقرة الصفراء الفاقع لونها ليست مجرد صورة أو لون، بل مرآة لما يمكن أن يكون عليه السودان إذا قرر أن يقول بصوت واحد: لا للحرب، نعم للسلام. وعندما نكسر حلقة الانتقام، ونسقط رايات الجهوية، ونطفئ نار العنصرية و القبلية و الجهوية الشفونية، و سنكون قد فتحنا الباب لفجر جديد. فكما أشرقت شمس السلام على رواندا، يمكن أن تشرق على السودان، ليصبح قصة أخرى تُروى بفخر في سجل أفريقيا، ووجهًا مضيئًا يسر الناظرين.
دالاس/تكساس




