على وقع الهزيمة وتحولات النخب

خالد فضل
لاستاذي الجليل عطا المنان عباس _ حياه الغمام _ راي صريح في مسألة مصطلح النخب , يتهم الإعلاميين بترويج مصطلح ليس له تطبيق على أرض الواقع عند التحليل الموضوعي لمواقف من يوصفون به . يعده واحد من أدوات التضليل الإعلامي السائدة في بلادنا . لم أبرح خانة التأمل فيما قال طيلة سنوات .
لقد ساد بالفعل استخدام هذا المصطلح بصورة لافتة , لا تمر كلمة مسموعة أو مقرؤة إلا ولامس المصطلح أذنيك أو مرّت حروفه بين ناظريك . كأنه مسلمة من المسلمات التي لا تحتاج إلى فحص وتدقيق . مثلما ساد في التوصيف الألقاب , الدكتور , الخبير , الإستراتيجي , المحلل السياسي , المختص … إلخ . بينما نجد الراحل د. منصور خالد قد عنون سفره المشهور (النخبة السودانية وإدمان الفشل) ولعله حدد تلك النخبة في متخذي القرارات من السياسيين والإداريين والعسكريين أو المؤثرين على المستوى الثقافي والعلمي, أو المشاركين في اتخاذ تلك القرارات أصابت أو أخطأت , من ضمن أؤلئك دكتور في الإقتصاد من إحدى الجامعات الغربية كان قد قدّم مقترحا في مؤتمر الإنقاذ الإقتصادي مطلع التسعينات من القرن الماضي فحواه , تسخير الجن لسد فجوة الإيرادات المالية في الحكومة الإسلامية آنذاك , ليأتي التوجيه من نائب الرئيس حينها بتكوين لجنة مختصة لدراسة الفكرة وكيفية الإستفادة منها . أنهى د. منصور الفقرة بسخرية لاذعة , ما عرفنا في السودان (مجنّة) ولكن خبرنا الجنون الذي ينتاب أصحابه فيهيمون في الطرقات يتحدثون مع خيالاتهم . الإقتصادي الإسلامي المحترم ونائب الرئيس الحاذق هل يمكن حسابهما ضمن النخبة السودانية ؟ وهل يمكن اعتبار سفير البرهان في ليبيا ضمنهم وهو صاحب مقولة عودة حميدتي للحياة في صورة (بعاتي) , بل هل هناك ما يمنع من إعتماد صاحب نظرية (الغزالة) التي أرخت عنقها الطويل للمجاهدين ليذبحوها بعد أنْ اصابهم الجوع لإنقطاع التشوين في حرب الجنوب , وغيرها من تصريحات (النخبة) التي تملأ الأسافير ومواقع الإعلام .
يساورني الشك في وضعيتي الشخصية , وما إذا كنت من تلك النخب أم لم أحظ باللقب , وتحضرني طرفة الراحل شاعر الشعب محجوب شريف , حكى أنّ غازي سليمان المحامي عليه الرحمة جاءه في داره العامرة نهاية حارات مدينة الثورة بأم درمان , ذات نهار قائظ , يتصبب عرقا , وهو بكامل أناقة هندامة المعروف , وأخبره بدعوته للمشاركة في محفل نخبوي يؤمه بعض (النخب السودانية) على راسهم البروفسور حسن مكي وآخرين , المهم؛ قال محجوب : نظرت إلى غازي جيّدا , وقلت له , يعني يا غازي أخوي عاوزني أركب من هنا بص الثورات , النخبة ركبت , النخبة في الكبري النخبة وصلت ؟ مشنّط ببنطلون وكرفتة وحزام .. ياخي شوف ليك نخبة غيري .
لو كان ميزان النخبوية حساس ودقيق مثل ميزان الدهب لأعتلى صدارته محجوب وأضرابه ولكن .. ويل للمطففين .
تصوري للنخبة أنها لا تكون مصنوعة بقدر ما تفوقت بالاصالة , عندي نموذج رجل من أهالي منطقة الددر , من عامة الناس مظهرا ومخبرا , قدّم لإعمار حياة الناس ما لم يقدمه آلاف النخب المصنوعة المتبوعة بالألقاب من سعادتك إلى يا بروف . تأثيره في مجتمعه المحلي يمنحه صفة (نخبة) بامتياز لكنه لم يحظ بها على مستوى الألقاب حتى توفاه الله قبل بضعة عشر إسبوعا .
أمّا النخب التي حددها د. منصور , فهي إلى الفشل أقرب , لقد هزموا في مضمار نخبويتهم المزعومة , فما من تخريب ودمار اصاب البلاد في المعنى والمبنى إلا وكان جلّ هذه النخب على قيادته . حكى لي صديق مهندس عن زميلهم من ايام الجامعة , عمل في مصنع سكر كنانة منذ تاسيسه , حضر تشغيله الأول وبموجب التعاقد مع الشركة المنفذة كان عليها استبدال قطع الغيار بنهاية الموسم لمدة عامين . بالفعل أوفت الشركة الإنجليزية بالعهد , كان ذلك المهندس الصغير حينها يقوم بحفظ الأجزاء المستبدلة في كراتين الجديدة ويخزنها في مخزن قصي لمدة سنتين . ثم جاء وقت في متصف التسعينات , عندما بدأت العزلة تطبق على سودان الثورة الإسلامية , لدرجة عجز المصنع عن إجراء الصيانة الروتينية , هنا انبرى ذلك المهندس وأعلن أنّ صيانة المصع لمدة سنتين ستكون على مسؤوليته , أخرج الاسبيرات المخزنة تلك , وبدت بالفعل جديدة وجيدة , واشتغل بها المصع لموسمين , بالنتيجة تم نقل ذلك المهندس إلى قسم التدريب , وهو قسم يركن فيه المغضوب عليهم في كثير من المؤسسات لأنه مسمى بدون مهام . الآن انظر إلى ذلك المهندس باعتباره نخبة حقيقية , فهل يتساوى في النخبوية مع من تتصدر اخباره وكالة سونا للأنباء ؟
النخبويون المصنوعون هزموا في الثبات عند ما نالوه من القاب , لكن نخبة الأصالة لا تهزها ريح . ذكّرني صديق برجل صالح _عليه الرحمة _ كان يقطن الحارة الأولى بالثورة , يمد موائد الطعام كل يوم جمعة على مدار العام , وطيلة شهر رمضان , يتصيد المارة ويتفقد العزّاب , ويقبض على عمال عربات الكارو واليوميات ليحضروا وجباته الممدودة بما تشتهي الأنقس وما لذّ وطاب , كان هو وأولاده يجلسون على آخر صينية بعد أن يكون الجميع قد تناولوا الشاي والقهوة . فوق هذا كان يعول أسرا من الايتام لم يكشف أمرهم إلا يوم وفاته عندما حضرت النساء يولولن وينحن ويبكين بحرقة من فقد السند والعضد لمواجهة صعاب الحياة , لقد كان في سمته وهدوءه (متواضعا الله) بحق وصدق , كان نخبة بالفعل فيما السيارات تسبقها الصفافير تتسابق أمام وخلف سيارة (النخبة المصنوع) وهو يذهب أو يؤوب من افتتاح منشأة للمرة الرابعة بعد تجديد الطلاء . فاي هزيمة أفدح واي مصاب .
عندما اندلع القتال في قلب البلد هذه المرة راينا اصطفاف النخبة , ممن كانوا يزعمون خذلان المركز للأطراف , ينافحون عن حقوق المهمشين , لم ينظروا إلى جحافل المسلحين المتفلتين كضحايا للتهميش بل آخذوهم على فعلهم القبيح الذي لا يليق من سلب ونهب وقتل وإغتصاب , حددوا لهم شروط الحرب , وقانوها الدولي الإنساني , وغيره من أدبيات , بلغة لا يفهمها هؤلاء الموسومين بالغزاة الجاهلين , تتبرأ بعض النخب مما فعلت أياديها , تكتفي بإدانة الثمر المُر الذي أنجبته شجراتهم بغرس اليدين . ولأن ما يسمى بالنخبة الإسلامية على وجه الخصوص في الحقل العسكري ,والمدني المعسكر لا تستنذ في وهم نخبويتها إلا على رافعة السلطة وامتيازاتها , بدت لهم هذه الحرب كتحدي وجودي يقوده الرجرجة والدهماء يعصفون بما استقر في وعيهم من حقوق غير قابلة للتنازع حولها , لذلك اصطف أغلبهم خلف سرديتهم تلك , ولأن معظم قادة النخبة المزعومة هم من جهة وعرقيات محددة لعبت تلك العوامل دورها في انحيازاتهم التي تبدو طبيعية في مواجهة التحدي الوجودي المستهدف لتلك الجهات والعرقيات مما تنشره الوسائط من أدبيات جماعة الدعم السريع وحلفاؤها . هنا مربط الفرس في تقديري لدى بعض الرموز التي نالت حظها من الصيت كنخبة ثمّ عند الاختبار لم يظهر لنخبويتهم أثر . لحقت بهم الهزيمة المادية بانسحابات الجيش من البلدات دون مقاومة ؛ فهرعوا لتحويل الشعب كله إلى مليشيات يتدرب بعضها في معسكرات الصديق الرئيس أسياس , وفجعوا بانهيار ما يسمى بمؤسسات الدولة التي أفرغت من المضمون (بالتمكين), مثلما طاردتهم الهزيمة المعنوية عندما صاروا أبواقا للحرب يطيلون من أمدها نكاية في رصفائهم ممن اختاروا الوجهة الصحيحة متجاوزين إحن وبغضاء الحرب ينظرون إلى ما وراء الدخان يطلبون معالجة الجذور وينشدون التأسيس على الواقع لا على تصورات تلك النخبة للذات الوطنية بمقياسهم همو .
نعم هُزمت النخبة المزعومة يوم الاختبار فلم يصمد منهم سوى القليل , ما ينفع الناس سيمكث في الأرض أمّا الزبد فيذهب جفاء . اطلاق الصفة لا يصنع واقعا , معظم النخب المصنوعة أدمنت الفشل كما في توصيف د. مصور , ما يمحّص الناس ؛ساعة اختبار العقول , فإن نضجت كمل الفرد فصار نخبة وإن خارت , ظلت تتبعه الصفة ملتحمة بالفشل على أفضل تقدير .



