
في قلب الجنينة دار اندوكا حيث تنضح الأرض بالتاريخ وثراء الموارد وشموخ الانسان، هاهي الجموع تخرج في مشهد لا تخطئه العيون، وتدوي الحناجر ويعلو الهتاف. ان ارادة الشعوب الحُرة لا تُقهر ولا يمكن اختزالها في قرارات بعيدة عن نبض الشوارع، وكانت حشود النساء والاطفال مؤشراً على أن حكومة (تأسيس).. التي وُلدت من رحم المعاناة ليست مجرد كيان سياسي طارئ، بل مشروعاً شعبوياً يطمح في إعادة رسم خارطة السودان على أسس جديدة من العدالة والمساواة وسيادة القانون.
وعلى الرغم من امتناع الاتحاد الأفريقي اعترافاً بهذه الحكومة، متكئاً على مبررات الخوف من تقسيم السودان، إلا ان هذه الرواية تبدو (مضلّلة).. بالنظر إلى مواقف الاتحاد وانحيازاته لأحد اطراف الحرب، وهي انحيازات سياسية لا تنفصل عن ولاءات معروفة داخل مؤسسات الاتحاد لتنظيم الحركة الإسلامية، التنظيم الذي هيمن على مقاليد البلاد لثلاثة عقود عبر الحرب والإقصاء والتهميش وخلخلة النسيج الاجتماعي. وفي المقابل تبدو سلطة بورتسودان التي يحظى موقف الاتحاد بدعمها في حالة ارتباك سياسي واقتصادي واضح، وهي سلطة مضطربة تفتقر للموارد وتعاني عُزلة دولية خانقة بفعل العقوبات المفروضة على الجيش وحلفائه من بقايا النظام الإسلاموي البائد، هذه العُزلة إلى جانب ضعف القاعدة الشعبية بسبب رفض استمرار الحرب، تجعل قدرة مجموعة بورتسودان على فرض مشروع وطني جامع أمراً غير وارد ومثير للشكوك مهما يدعى امراء الحروب. أما تأسيس فإن مناصروها يرون المستقبل أمامه مفتوحاً بشرط ترجمة الزخم الشعبي إلى مؤسسات فاعلة، وسياسات اقتصادية رشيدة تعيد للسودان بوصلته في النماء والاستقرار، ويتصور مؤيدو هذا المشروع أن الاعتراف الدولي لن يكون إلا مسألة وقت، إذا ما أثبتت هذه الحكومة قدرتها على إحلال الأمن والسلام، وبناء مؤسسات قادرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغة المصالح المشتركة.
إن ما جرى في الجنينة بغرب دارفور ليس حدثاً عابراً، بل هي إشارة إلى أن الشعوب المحاصرة قادرة على كسر الاطواق عندما تضيق المسارات وتغلق المعابر، وأن إرادة الملايين هي الأقوى على الاطلاق من محابر القرارات السياسية الباردة. فالتاريخ لا يكتبه من يملكون المقاعد الوثيرة، بل من يحملون الحُلم في قلوبهم ويمضون به رغم العواصف والتحديات، ان حدث يؤكد ان حكومة تأسيس التي يتهرب منها الاتحاد الافريقي أمامها فرصة ان تكون نموذجاً جديداً لوطن ينهض من بين الركام، ليس على أنقاض الآخرين ولكن على أُسسٍ من المشاركة العادلة، ولعل الأيام ستبرهن أن الشرعية الحقيقية تُستمد من الاصوات المليئة بالأمل، لا من أختام المكاتب المكيفة والحوارات السرية والاوراق تحت الطاولة.




