رأي

البرهان والجيش السوداني: استقلالية تحت وصاية الحركة الاسلاموية

السفير عادل إبراهيم مصطفى

نشرت الاستاذة صباح محمد الحسن يوم 17 أغسطس مقالاً بعنوان: “ولهذا السبب، تكون فرص استمرار البرهان في طريق الحل أكبر من تراجعه إلى الوراء”، أكدت فيه أن زيارة الفريق البرهان إلى سويسرا تمثل خطوة استقلالية عن الجماعات الإسلامية، وأن الضغوط الاقتصادية الإماراتية والدور الأمريكي سلبا القوة من الإخوان وفتحا المجال أمام الجيش لاتخاذ قرار نقيض لإرادة التنظيم.

لكن قراءة الواقع التاريخي والسياسي للجيش السوداني تشير إلى صورة مختلفة تمامًا:

1. الجيش كأداة تنظيمية منذ التسعينات

منذ العام 1990، أصبح دخول الكلية الحربية قاصراً علي عضوية جماعة التنظيم ، حيث اصبح الترشيح للالتحاق بالكلية يتم عبر مؤسسات تابعة للتنظيم مثل هيئة النشاط الطلابي والهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة. وهذا يعني أن الجيش ليس كيانًا مستقلًا، بل جناحًا مسلحًا للإخوان منذ عقود، والبرهان نفسه ينتمي إلى التنظيم.

2. قيود القرار العسكري

أي تحرك للبرهان، سواء نحو التفاوض أو وقف الحرب، لا يمكن اعتباره خطوة فردية نابعة عن استقلالية مطلقة. بل غالبًا هو تنفيذ لتوجيهات التنظيم، أو نتيجة حسابات مرتبطة بيأس الجماعة من الحسم العسكري، أو بوعود من جهات إقليمية ودولية بحماية قياداتها من المساءلة.

3. الخطوات الدولية والضغوط الاقتصادية

صحيح أن الضغوط الإماراتية والأمريكية تشكل عاملًا مؤثرًا، لكنها لا تعني بالضرورة أن الجيش أصبح مستقلاً عن التنظيم. فالضغوط تعمل في إطار تحفيز الإخوان على قبول الحلول السياسية، لكنها لا تمنح البرهان حرية مطلقة في القرار.

4. التقييم الواقعي لمسار السلام

لذلك، فإن أي تقييم بأن فرصة البرهان للمضي في طريق الحل أكبر من الرجوع إلى الوراء يحتاج إلى ربط واضح بالتحكم التنظيمي للإخوان داخل الجيش، وليس بافتراض استقلالية القرار العسكري. أي نجاح حقيقي في وقف الحرب سيتوقف على قدرة البرهان على الموازنة بين مصالح التنظيم والضغوط الدولية، وليس على قراره الشخصي وحده.

5. خطاب البرهان بعد لقاء زيورخ: الدليل القاطع

وللتدليل على غياب الاستقلالية، يمكن التوقف عند خطاب البرهان بمناسبة يوم الجيش عقب عودته مباشرة من لقاء المبعوث الأمريكي مسعد بولس في زيورخ، حيث ناقش معه خطة سلام شاملة تشمل وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية لمستحقيها. لكن البرهان شدّد في خطابه على مواصلة “معركة الكرامة” حتى دحر ما وصفه بالتمرد، مؤكداً عدم المصالحة أو المهادنة مهما كانت التضحيات، أي أنه نسف عمليًا أي التزام بوقف إطلاق النار أو تسهيل وصول المساعدات الإنسانية. بل ذهب أبعد من ذلك حين أعلن أن قوات الدعم السريع ليس لها أي دور سياسي في السودان، رافضًا إشراكها في العملية السياسية.

هذا التناقض يضعنا أمام احتمالين: فإما أن البرهان أراد امتصاص غضب الإسلاميين من لقائه بالمسؤول الأمريكي – إن أحسنا به الظن وافترضنا استقلالية قراره – أو أنه ببساطة ينفذ رغباتهم في مواصلة الحرب، وفقًا لنهج سوابقه المتكررة في التنصل من كل ما يتم الاتفاق عليه في المنابر الإقليمية والدولية حول وقف إطلاق النار. والراجح أن موقفه الأخير يعكس حقيقة ارتباطه التنظيمي، ورغبة الإسلاميين في إحراق الوطن بما فيه ومن فيه، أملاً في العودة إلى السلطة عبر أنقاض الدولة.

الخلاصة:
إن قراءة الأستاذة صباح محمد الحسن، مهما كانت وجيهة من زاوية الرغبة في استشراف حلول، تبقى متفائلة أكثر مما ينبغي. فالجيش السوداني مؤدلج منذ عقود، ونفوذ الإخوان داخله متجذر ومتنامٍ. وأي تحرك نحو السلام لن يرتبط بقرار فردي من البرهان، بل بإرادة التنظيم أولاً، ثم بالضغوط الدولية ثانيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!