الفريق معاش عبد الرحمن الصادق المهدي… بين التاريخ المثقل والواقع الرافض
كيف يستقيم الظل و العود اعوج 107- الصديق المريود

الفريق معاش عبد الرحمن الصادق المهدي هو نجل الإمام الصادق المهدي، آخر رئيس وزراء منتخب في السودان قبل انقلاب 1989. خدم في القوات المسلحة السودانية حتى وصل إلى رتبة فريق، ثم أُحيل إلى المعاش في السنوات الأخيرة. غير أن مسيرته لم تقف عند حدود العسكرية، بل ارتبط اسمه بالسياسة ارتباطاً مثقلاً بالجدل.
لقد ارتضى أن يكون جزءاً من نظام البشير، فعيّن في مواقع تنفيذية عليا مثل منصب مستشار رئاسي، مما اعتُبر خيانة لتاريخ حزب الأمة القومي ولإرث الأنصار الذين قاوموا الاستبداد. وحين اندلعت ثورة ديسمبر المجيدة، كان الشباب يواجهون الرصاص بصدور عارية، بينما كان عبد الرحمن يجلس في مقاعد السلطة، متقاسماً الامتيازات مع نظامٍ لفظه الشعب. لذلك اعتبرته قواعد الحزب والأنصار و الشعب السوداني من الساقطين مع النظام، لأنه لم ينحز إلى الجماهير بل ظل صامتاً و مشاركاً في مؤسساته حتى سقوطه.
قال الشاعر:
ومن نكث العهدَ لم تُغنِ رفعةُ نسبٍ
فالفعلُ عنوانُ صدقِ المرءِ أو كَذِبِ
الأخطر من ذلك أن اسمه ارتبط بالحرب التي دمّرت البلاد بين حرب 15 أبريل 2023، حيث وُجهت له اتهامات بالمشاركة أو التغطية على قصف المدنيين بالطيران، بل وحتى باستخدام أسلحة محرمة ضد مواطنين عُزّل. دماء الأبرياء ودموع الأمهات لن يمحوها خطاب أو بيان، ولا يمكن لشعب ذاق ويلات الحرب أن يقبل بقائد كان جزءاً من أدواتها.
ومما يزيد من سوء صورته أنه كان جزءاً من منظومة قانون “الوجوه الغريبة”، القانون الذي استهدف الأنصار وأبناء حزب الأمة، وفتح الباب أمام التمييز والإقصاء والتفكيك الاجتماعي. وهو قانون يتعارض تماماً مع مبادئ الحزب وتاريخه، ويكشف عن حجم التناقض بين شعاراته اليوم وممارساته بالأمس.
وكما يقول المثل السوداني:
“الما عندو قديم… ما عندو جديد”،
فماضيه الأسود هو المرآة التي تحكم عليه في الحاضر والمستقبل.
رغم كل ذلك، يحاول بعض أنصاره أو حلفائه مؤخراً الدفع به ليكون خليفة للإمام أو زعيماً لحزب الأمة القومي. لكن غالبية الأصوات داخل الحزب وخارجه ترفض هذا التوجه رفضاً قاطعاً، إذ يرون أن تاريخه السياسي والعسكري المرتبط بالإنقاذ والحرب يجعله غير مؤهل لا دينياً ولا سياسياً ولا اخلاقياً لتولي أي موقع قيادي. فالمناصب لا تُنال بالوراثة ولا تُكتسب بالنسب، وإنما تُمنح بالتضحيات والمواقف المبدئية. وكما قال الإمام علي رضي الله عنه: “قيمة كل امرئ ما يُحسن.”
الشعب السوداني اليوم يبحث عن قيادة نظيفة اليد والوجدان، قيادة جديدة تعبّر عن آماله في الحرية والسلام والديمقراطية، بعيداً عن كل من ارتبط اسمه بالقمع والفساد والحروب. وما أبطأ به عمله لن يسرّع به نسبه، وما سقط مع الطغيان لن ينهض به الوطن.
قال فضيلي جماع:
“سنعود مهما طال ليل الغياب،
ونزرع في الأرض قمحاً وضوءاً وكتاب.”
إن الفريق معاش عبد الرحمن الصادق المهدي، بما ارتكبه من أخطاء وما ارتبط به من مشاركات في القمع والحرب، لا مكان له في قيادة حزب الأمة القومي ولا في إمامة الأنصار، ولا في أي موقع وطني يُحتكم فيه إلى الضمير والتاريخ. لقد لفظه الشعب وأسقطته الثورة، والتاريخ يحاكمه قبل أن يحاول هو أن يفرض نفسه من جديد.
كما قال شاعر السودان محمد مفتاح الفيتوري:
إنني أحمدُ اللهَ… إذ متُّ دونَ الذي كنتُ أهوى
وأني تركتُ حياتي وراءَ الأسى والهوانْ.
فالشهداء قدّموا أرواحهم لتبقى رايات الحرية عالية، ولن يُسمح لمن خانهم أن يعتلي منصات القيادة. والشعب أوعى من أن تُخدعه محاولات التلميع، وأشد صرامة من أن يقبل بعودة من تلطخت يداه بالدماء والدموع.
اريزونا الولايات المتحدة الأمريكية




