رأي

مصر والجيش السوداني.. الإخوان يحولون السلاح إلى عبء

الباقر نورالدين ..الباحث في الشؤون السودانية والمصرية

منذ محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في المنشية عام 1954، كان الموقف المصري حاسمًا: لا مكان للإخوان داخل الدولة أو الجيش. ومنذ ذلك التاريخ، حافظ الجيش المصري على قوميته ومهنيته الخالصة، بعيدًا عن الولاءات الحزبية، فظل مؤسسة وطنية تمثل الشعب كله. هذا الانضباط هو الذي مكّنه في 30 يونيو 2013 من إعادة التوازن للدولة في لحظة حرجة، وحمى مصر من مصير الفوضى.

جيش الوطن لا جيش الحزب

الفرق بين جيش قومي وجيش حزبي ليس تفصيلاً صغيرًا. فبينما أبقت مصر جيشها ملكًا للوطن، انزلق السودان إلى تجربة مختلفة. فقد تغيّر اسم الجيش من قوات الشعب المسلحة إلى القوات المسلحة، وأصبح رئيس الحزب هو القائد الأعلى للدولة والجيش معًا. وشيئًا فشيئًا، تداخلت المؤسسة العسكرية مع مشروع الحركة الإسلامية حتى فقدت استقلالها. يكفي أن نتذكر أن قيادات حزبية، مثل السفيرة السابقة وعضو المؤتمر الوطني سناء حمد، تولّت التحقيق مع كبار الضباط، في مشهد يلخص كيف أصبح الجيش أداة حزبية لا مؤسسة قومية.

اعترافات من الداخل

ما كان يقال همسًا صار اليوم علنًا. فالتسريبات التي ظهرت في برنامج شاهد على العصر كشفت بوضوح حجم تغلغل الإسلاميين في الجيش السوداني، وكيف جرى ترتيب المواقع العسكرية بما يضمن الولاء للحزب قبل الولاء للوطن. هذه الاعترافات، الصادرة من داخل التجربة نفسها، تؤكد أن ما جرى لم يكن مجرد اختراق عرضي، بل خطة ممنهجة لتحويل الجيش إلى ذراع حزبي.

أصوات تعلو على الدولة

وحين يفقد الجيش قوميته، يعلو صوت الجماعة فوق صوت الوطن. وقد ظهر ذلك جليًا عندما ارتفعت أصوات إسلاموية تنادي بغزو مصر وإشاعة الفوضى داخلها عقب التحفظ على قائد فيلق البراون، المصباح طلحة. كان المشهد إشارة واضحة إلى تمدد الجماعة وسطوتها، حتى باتت قادرة على استخدام المؤسسة العسكرية منصة لخطابها العابر للحدود.

درس المليشيات في التاريخ

التجربة السودانية ليست استثناء. فالتاريخ يعلّمنا أن الدول التي سمحت بوجود مليشيات مسلحة خارج سلطة الجيش دفعت ثمنًا باهظًا. لبنان انزلق إلى حرب أهلية، الصومال تفكك بين زعماء الحرب، وليبيا انهارت حين خرج السلاح من يد المؤسسة القومية. المليشيا لا تحمي وطنًا، بل تقتله، والجيش إذا فقد قوميته، فقد قدرته على حماية الدولة.

قراءة في الموقف المصري اليوم

المؤشرات والتحليلات الإقليمية توضح أن مصر تتعامل مع الملف السوداني بعين ثابتة على أمنها القومي. القاهرة ترفض بوضوح أي وجود إخواني داخل السودان، وتبدو حريصة على تشجيع الضباط القوميين في الجيش على استعادة زمام المبادرة. ويذهب بعض المراقبين إلى أن مصر تدفع باتجاه إبعاد العناصر المحسوبة على الحركة الإسلامية من مواقع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، إدراكًا منها لخطورة تحوّل الجيش إلى أداة حزبية مكررة للتجربة التي خبرتها مصر نفسها في الماضي.

الخلاصة

ما بين التجربتين يظهر الفارق بجلاء: جيش قومي ومهني كما في مصر، يحمي الدولة ويصونها، في مقابل جيش حزبي كما في السودان، جر البلاد إلى الأزمات وفقد استقلاله. واليوم، يدفع الشعب السوداني ثمن غياب المهنية والقومية داخل مؤسسته العسكرية. أما الدرس، فقدمه التاريخ مرارًا: لا نجاة لدولة بلا جيش قومي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!