
جيش قومي يصنع التاريخ
في أكتوبر 1973، وقف الجيش السوداني إلى جانب الجيش المصري في معركة العبور. كان ذلك تجسيدًا للجيش القومي الذي يتحرك من موقع وطني لا حزبي. وقتها أدرك المصريون أن العمق السوداني سند حقيقي، وأدرك السودانيون أن جيشهم جزء من معركة الأمة كلها.
الانحدار مع الإنقاذ
لكن المشهد تبدل مع انقلاب 1989. تحولت المؤسسة العسكرية إلى ذراع لحزب عقائدي، وفقدت وظيفتها القومية. لم تعد تحمي الدولة بل مشروعًا ضيقًا، فظهرت المليشيات، تدهور الاقتصاد، وانهارت المؤسسات، حتى صار الشعب يدفع ثمن فساد السلطة وعجزها.
مصر تقرأ التجربة
مصر عاشت تجربة الإخوان ورأت كيف يلتهمون مؤسسات الدولة، وعرفت فداحة الخطر الذي ينشأ عندما يسيطرون على مفاصل الدولة العسكرية والمدنية. لذلك تنظر بجدية إلى تمدد الإسلامويين في الجيش السوداني، لأنه تهديد يتجاوز الخرطوم ليطال القاهرة والمنطقة كلها. ولهذا، كما تشير تحليلات متعددة، تدعم القاهرة الاتجاه القومي داخل الجيش السوداني، باعتباره صمام الأمان الوحيد للدولة، وتحميه من الانزلاق إلى يد جماعة حزبية عقائدية.
جيش يبني.. وجيش يتفكك
الفرق بين الجيش القومي والجيش الحزبي يراه الناس بأعينهم:
الجيش المصري، بحكم قوميته ومهنيته، أصبح ركيزة في بناء البنية التحتية والتنمية، من الطرق إلى الكباري إلى المشروعات القومية. جيش وطني يبني ويعمر.
أما الجيش السوداني بعد أن فقد استقلاليته، فصار عاجزًا حتى عن حماية مؤسساته، إلى أن هبطت طائرات محملة بالمخدرات داخل مطاراته العسكرية. أي رسالة أوضح من هذه لبيان حجم الانحدار؟
خاتمة
التاريخ يوضح الحقيقة بلا مواربة: الدول التي تُسيّس جيوشها تنهار، والدول التي تحافظ على قومية ومهنية جيوشها تستقر وتبني مستقبلها. مصر اليوم لا تدافع عن مصالحها فحسب بدعمها الاتجاه القومي داخل الجيش السوداني، بل تضع يدها مع الشعب السوداني في معركته ضد اختطاف الوطن.
> وللأوطان في دم كل حرٍ يدٌ سلفت، ودَينٌ مُستَحق… والسودان مدعوٌّ لأن يستعيد إرث جيشه القومي، كما كان يوم وقف جنبًا إلى جنب مع مصر في معارك الكرامة، لا أن يُترك أسيرًا لعقيدة حزبية تُفككه وتضيّع وطنه.




