
علي أحمد
في مشهدٍ سوريالي جديد يليق بمسرح العبث السوداني، أدى وزير الثروة الحيوانية أحمد التيجاني المنصوري اليمين الدستورية أمام الفريق عبد الفتاح البرهان، بحضور رئيس الوزراء كامل إدريس، رغم أن الأخير كان قد لوّح قبل أيام بإعفائه علنًا خلال مؤتمر صحفي. ما الذي تغيّر؟ لا شيء سوى أن البرهان ابتسم، وأُمر كامل بالجلوس في الصف الأول، ليصفّق حين يُطلب منه التصفيق.
المفارقة الصارخة أن رئيس الوزراء الذي يقال إنه يقود حكومة “مدنية”، يظهر كدمية بين يدي قائد الجيش. يلوّح بالإعفاء من القاهرة، ويبتلع قراره في بورتسودان. يعلن عن السيادة الشعبية في النهار، ثم يحضر مراسم إذعان في المساء. فأي رئيس وزراء هذا الذي يقرر ثم يُلغى قراره بجرّة حاجب من الجنرال؟
حكومة بورتسودان اليوم ليست سوى مسرح دمى، حيث البرهان يجلس خلف الستار، يشد الخيوط، ويحرّك كامل إدريس يمينًا ويسارًا، فيما الوزراء يتقافزون كعرائس قماش على خشبة مهترئة. وما يزيد المشهد كوميديا سوداء، أن كامل نفسه عضو في لجنة تنفيذية يقودها الفريق إبراهيم جابر، بينما اكتفى الجنرال الكبير بإهدائه مقعدًا “تشريفاتيًا”. تخيلوا! رئيس الوزراء الذي يُفترض أن يقود الجهاز التنفيذي، صار مجرد “عضو لجنة”، بينما تُدار الدولة عبر مجالس عسكرية موازية.
لا غرابة إذن أن يضيع الفاصل بين مهام الجيش والحكومة. فحين يخرج كامل ليتحدث عن إصلاح اقتصادي، يسبقه البرهان ليعلن سياسات مالية. وحين يلمح إلى قرارات وزارية، يُذكّره العسكر بأن ملفات البلاد تمر عبر لجان أمنية. أما الوزراء أنفسهم، فلا يملكون سوى رفع قسم الولاء أمام الجنرال، في طقس يعيدنا إلى عهود ما قبل الدولة الحديثة، حيث يُقدَّم الوزير كخادم مطيع بين يدي السلطان.
هذه ليست حكومة مدنية، بل “واجهة ديكورية” لتسويق الوهم للمجتمع الدولي. واجهة يُراد بها إقناع المانحين بأن ثمة مؤسسات دستورية، بينما الواقع يقول إن البرهان هو الرئيس الفعلي، وكامل مجرد ظلّه الباهت. وما يثير السخرية أن المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، ما زالوا يتعاملون مع هذه الواجهة بجدية، وكأنهم لم يكتشفوا أن الوزراء يغيَّرون كما تُغيَّر قطع الشطرنج، وأن القرارات تولد في الثكنات لا في مكاتب مجلس الوزراء.
قد يقول قائل: إن كامل إدريس يحاول البقاء في المشهد لتفادي انهيار ما تبقى من الدولة. لكن الحقيقة أن الرجل قبل أن يكون كومبارسًا في عرضٍ رديء الإخراج، لا يملك من أمره شيئًا سوى التوقيع على قرارات كُتبت له مسبقًا. أيّ كرامة تبقى لرئيس وزراء يقال له: أَعْفِ فلانًا، فيعفي. ثم يُقال له: أَعِدْهُ فورًا، فيعيده.
حكومة بورتسودان ليست سوى حكومة “الأمر الواقع”، تُدار بالريموت من مكتب البرهان. أما كامل إدريس، فيكفيه أن يظل محتفظًا ببدلته الأنيقة وربطة عنقه، ليلعب دوره كواجهة “مدنية” لحكم عسكري سافر. وهو دور قد يضمن له الصور التذكارية في الأرشيف، لكنه لن يمنحه شرف أن يُذكر يومًا كقائد حكومة حقيقية.




