
بتاريخ ٢٣ أغسطس ٢٠٢٥ كتب الأستاذ عدلان عبد العزيز ردًا مقتضبًا على مقالنا المعنون:
“التأسيس أو الانتحار السياسي – دحض أوهام العودة للاتفاق الإطاري والوصاية الدولية”.
وقد رأينا أن نرد عليه، لا لأن الرد علي صديقنا عدلان في ذاته يستحق جهدًا كبيرًا، بل لأن ما طرحه يمثل عقلية قطاع واسع من النخب السودانية المرتعبة والمشوشة؛ بعضهم يصرّح بها جهارًا، وبعضهم يمارسها صمتًا ومواربة، لكنهم جميعًا يشتركون في الدفاع عن بنية السودان القديم ومصالحه الراسخة.
من المتوقع أن تواجه أي رؤية تأسيسية جذرية ردودًا باردة، متعجلة، ومقولبة، مثل رد الأستاذ عدلان. فالنخب حين تُحاصر بمشاريع تهدد امتيازاتها التاريخية، تلجأ إلى أدواتها التقليدية: التبسيط المخل، خلط الأوراق، والتعميم المريح على شاكلة “لا فرق بين أحمد وحاج أحمد”. إنها ليست حيلة جديدة، بل هي أسلوب مألوف في خطاب النخب السودانية التي يصفها قادة رايهم بأنها تعيش في “ذهن نوستالجي” يعجز عن مواجهة الحاضر، فيما رآها فرانتز فانون نخبًا كسولة ذهنيًا، وجبانة سياسيًا، تعيد إنتاج نفسها عبر التهرب من أي مشروع يعرض امتيازاتها لاختبار حقيقي، ولنرد علي النقاط التي اثارها الأستاذ عدلان.
أولاً: عن مسألة الاعتماد على الخارج
ذهب الأستاذ عدلان إلى القول إن تحالف “تأسيس” يعتمد على الخارج، ممثلاً في محور الإمارات، شأنه شأن القوى السياسية الأخرى- يعني “كلهم في الهواء سواء”. وهذه التهمة ليست سوى مقولة مستهلكة تُستعاد كلما عجزت النخب عن تقديم حجة جادة، وهي في حقيقتها محاولة لإسقاط عيوب الماضي على مشروع مختلف جوهريًا من باب “تقسيم الدم بين القبائل”.
إن الحقيقة التي يتجاهلها عدلان – عن قصد – أن “تأسيس” نشأ كتحالف سوداني صرف الرؤية، كتبت وثائقه بدماء المهمشين وتضحيات الهامش، لا بمداد مكاتب السفارات. على النقيض، فإن النخب التي يسعى عدلان لتبرير مواقفها هي التي أرهنت إرادة وموارد السودان وثرواته الاستراتيجية للخارج منذ الاستقلال، في صفقات ظلت تحكمها عقلية التبعية لا المصالح الوطنية وحتي يومنا هذا.
في عهد الفريق عبود (1958–1964): وُضعت اللبنات الأولى لتفريط الدولة في سيادتها عبر اتفاقية مياه النيل (1959)، التي منحت مصر النصيب الأكبر من المياه وأرست قاعدة التبعية المائية.
في عهد جعفر نميري (1969–1985): توسع منح الأراضي الزراعية لمصر في منطقة حلايب وشلاتين، مع صمت النخب عن التعدي على السيادة الوطنية واليوم استولت مصر علي المثلث.
في عهد البشير (1989–2019): بلغ التفريط ذروته، حيث مُنحت الإمارات والسعودية ملايين الأفدنة الزراعية في الجزيرة ونهر النيل وسواكن، إضافة إلى عقود استثمار طويلة الأجل في الموانئ، بلا شفافية وبلا مردود للشعب.
هذا التاريخ الطويل من التنازلات لم يكن ثمرة قوة خارجية بقدر ما كان نتاج تواطؤ داخلي، من أقلام نخب المركز التي ارتضت لعب دور الوسيط في صفقات بيع الأرض والمياه والموارد الأخرى مقابل الحفاظ على امتيازاتها.
من المخجل إذن أن يتهم الأستاذ عدلان تحالف “تأسيس” بما لم يفعله، بينما يغض الطرف عن سجل كامل من التفريط والبيع جرى تحت بصر وسمع النخب التي يدافع عنها. “تأسيس” لم يفرّط في أرض، ولم يبع ماءً، بل جاء ليضع حداً لهذا النزيف التاريخي عبر مشروع يؤسس لعلاقة خارجية قائمة على الندية ومصلحة الوطن، لا على التبعية والارتهان.
ثانياً: الشراكة مع المؤسسة العسكرية:
يقول عدلان إن “تأسيس” يعتمد الشراكة مع المؤسسة العسكرية الأمنية التي أنجبتها الإنقاذ. هذه مغالطة كبرى.
تحالف “تأسيس” هو أول مشروع سوداني يطرح تفكيك الجيش القديم وبناء جيش جديد، قومي، علماني، تعددي. بينما الشراكات مع الجيش وأجهزته كانت وما زالت حيلة النخب لإعادة تدوير الانقلابات والهيمنة، و الفرق هنا مثل الفرق بين من يريد إصلاح بيت متصدع على وشك الانهيار، ومن يقرر أن يبني بيتًا جديدًا من الأساس.
ثالثاً: وهم المواثيق
شوّه الأستاذ عدلان موقفنا من قضية المواثيق حين اختزله في أننا نرى جوهر الصراع مجرد تباين بين “مواثيق متقدمة وأخرى متأخرة”. وهو، بالمفارقة، لم يناقش مضمون المواثيق التي قدمها تحالف تأسيس أصلاً، بل لجأ إلى التعميم. وهذا في جوهره تبسيط مخل يعكس ما سماه أنطونيو غرامشي بـ”الكسل الذهني للنخب”، أي الميل إلى الهروب من تعقيدات الواقع إلى شعارات فضفاضة تخلو من التحليل الجاد.
الصراع في السودان لم يكن يوماً –كما أوهم عدلان– نزاعاً حول نصوص مكتوبة فحسب. نحن لم نقل هذا ولن نقوله. القضية أعمق من الورق؛ إنها مسألة بنية الدولة السودانية ذاتها: هل تبقى الدولة المركزية الإثنو–إسلامية الظالمة كما ورثناها، أم تُستبدل بدولة جديدة علمانية، ديمقراطية، لامركزية، مؤسسة على العدالة التاريخية والمواطنة المتساوية؟ هذا ماقالته نصوص تحالف تأسيس ولم تقله نصوص أي تحالف اخر، فعلام محاولات الفهلوة؟
لقد اعتادت النخب القديمة أن تختزل الحرب في “تمرد مسلح” أو “مطالب تنمية” وما اليه، متجاهلة الطبيعة البنيوية للأزمة. أما مشروع “تأسيس”، فقد كسر هذا الوهم وسمّى الأشياء بأسمائها: الدولة السودانية، في بنيتها العميقة، مشروع فاشل لا يصلح للترقيع، وإنما يحتاج إلى إعادة تأسيس جذرية (ماجزرية بتاعة الشيوعيين طبعا)!
رابعاً: تقاسم السلطة:
يصر عدلان أن كل الصراع هو حول “كراسي السلطة”. هذا تنميط عقيم، لأنه يعكس تجربة النخب وحدها. نعم، النخب التي حكمت الخرطوم كانت لا تعرف سوى لعبة الكراسي. لكن تحالف “تأسيس” ليس امتدادًا لهذه النخب، بل هو مشروع يقوده المهمش السوداني لأول مرة، في المركز والهامش معًا.
القول بأن “تأسيس” يسعى لتقاسم المقاعد يشبه قول من يرى الثورة الفرنسية مجرد صراع بين نبلاء، أو الثورة الجزائرية مجرد تقاسم غنائم بين مجاهدين.
خامساً: حقوق الإنسان والفزّاعة:
آخر حيلة بقيت للنخب هي رفع شعار “حقوق الإنسان” في وجه كل مشروع ثوري. عدلان يوظف هذا السلاح بذكاء متهافت: يهاجم “تأسيس” عبر الحديث عن انتهاكات بعض عناصر الدعم السريع هنا وهناك، لكنه يصمت تمامًا عن الجرائم الموثقة للجيش السوداني والمليشيات التي رعته النخب لعقود، والذي كون الدعم السريع .
الحقيقة أن “تأسيس” لم يُنشأ ليغطي الانتهاكات، بل ليعالج الأسباب البنيوية التي قادت إليها: التمييز العرقي، الدولة المركزية، اقتصاد النهب، والإفلات من العقاب والتهميش. أي تجاوز لحقوق الإنسان مدان بلا شك، لكن الفارق أن “تأسيس” يريد إيقافها جذريًا، بينما النخب تستعملها كفزاعة لحماية امتيازاتها.
عن شعار “أحمد وحاج أحمد”:
أن ينتهي الأستاذ عدلان إلى أن الفرق بين قحت و”تأسيس” هو كالفرق بين أحمد وحاج أحمد، فهذا قمة العجز التحليلي. هي عبارة تصلح للمقاهي و”ونسات المساء”، لا لمناقشة وثائق دستورية تؤسس لدولة جديدة. في علوم الاتصال تسمى هذه ظاهرة التعميم الكاسح
(sweeping generalization)
وهي حيلة قديمة لمن يريد إخفاء جهله وكسله وراء ضحكة سريعة. لكنها لا تصمد أمام أي تفكير علمي أو مقاربة ثورية
في الختام:
مشروع “تأسيس” هو أول تحالف مدني – سياسي – عسكري يقوده المهمش السوداني بأجندة تتجاوز كل ما كتب في السودان منذ الاستقلال. لا يشبه “قحت”، ولا يشبه أي من مشاريع النخب الإصلاحية الفاشلة. وهو مشروع يضع السودان والسودانيين أمام خيارين:
إما الاستمرار في القبول بالسودان القديم و “يا دار ما دخلك شر” وتبرير “أحمد وحاج أحمد”، أو الدخول إلى أفق جديد يصنعه السودانيون بوعيهم وثورتهم.
… وكما قال توماس سانكارا: “لا ثورة بلا قطيعة مع الامتيازات القديمة”، و”تأسيس” هو هذه القطيعة، مهما صرخ عدلان ومن لف لفه أو لجأ إلى حيل النخب القديمة.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




