رأي

جيش التجويع.. جرائم لا تسقط بالتقادم

علي سانتينو

علي سانتينو

إن ما ترتكبة مليشيا الجيش السوداني او ما تسمى بالقوات المسلحة الخاضع لهيمنة الحركة الإسلامية لم يعد مجرد أخطاء عسكرية أو تجاوزات ميدانية عابرة، بل هو نهج ممنهج يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فسياسة التجويع التي تُمارَس ضد المدنيين في دارفور وكردفان برفض إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثة ليس سوى سلاح من نوع اخر يفتك بالمواطنين تماماً كما تفتك الصواريخ والقذائف. إن حرمان الشعوب الفقيرة من حقها في الغذاء والدواء جريمة يعاقب عليها القانون الدولي الإنساني، وقد نصت اتفاقيات جنيف بشكل واضح على حماية المدنيين وضمان وصول المعونات الإنسانية حتى في حالات النزاع المسلح، لكن جيش الكيزان بوجهة (الأيديولوجي) الملطخ بدماء الأبرياء لم يكتفِ بسياسة الحصار والتجويع، بل تجاوز هذه المهمة إلى استهداف مباشر للقوافل التي تحمل المساعدات الإنسانية نفسها.!

ان قصف الطائرات المسيّرة لقوافل برنامج الغذاء العالمي في مدنية مليط وقبلها في منطقة الكومة، هي جرائم حرب مكتملة ودليل فاضح على أن هذا الجيش يتعمد (تجويع) الشعب ويستهدف أدوات الإغاثة الدولية في انتهاك سافر لكل المواثيق والعهود، والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تجري أمام صمت دولي مريب، بل وتواطؤ من بعض القوى التي تساوم بدماء السودانيين على موائد السياسة كالموقف المصري، فتاريخ هذا الجيش يفضح نفسه من جرائم في جنوب السودان إلى المجازر في جبال النوبة ، واستخدام الأسلحة المحرّمة دولياُ إلى التهجير القسري واكل أحشاء البشر، حيث لم يعرف هذا الجيش يوماً معنى المساءلة أو الخوف من العقوبات الدولية. بل إن سجل العقوبات السابق لم يكن سوى حبر على ورق، لهذا ظل يكررهذا الجيش جرائمه في اي نزاع يجرى مع القوى المعارضة، ويفهم أن المجتمع الدولي سيكتفي ببيانات الشجب والإدانة دون اتخاذ اي خطوات رادعة تجبر هذا الجيش على احترام القانون الدولي.

وما يثير السخرية السوداء أن الجيش الذي يمنع الغذاء عن الأطفال والنساء في دارفور وكردفان، هو نفسه الذي يحتكر المساعدات ويوزعها على مليشياته وكتائبة، بل ويعرضها سلعة تجارية في الأسواق، هذه الممارسات ليست فقط دليلاً على الفساد المستشري في جسد المؤسسة العسكرية، بل تكشف عن عقلية (ميليشيا) تسمى الجيش، حيث لا ترى في المواطن إلا خصماً ينبغي سحقة وإذلاله.!

إن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل سوداني اليوم إلى متى يستمر الإفلات من العقاب وإلى متى يظل هذا الجيش بأذرعه الإسلاموية فوق القانون وفوق المحاسبة..؟ فإذا كان المجتمع الدولي جاداً في حماية المدنيين، والقوى الإقليمية صادقة في مساعيها لإنهاء الحرب في السودان فإن أول الطريق هو تسمية الأشياء بمسمياتها  وتحديد ما يجري في السودان بانه جرائم حرب، ومايسمى بالجيش ليست مؤسسة وطنية تحمى الشعب بل هي أداة قمعية لمشروع أيديولوجي دموي كشف عن وجه القبيح في هذه الحرب حيث يستوجب الاتي:

أولاً: أن يتحرك المجتمع الدولي لإنشاء ممرات إنسانية آمنة تحت إشراف الأمم المتحدة تضمن وصول المساعدات إلى المتضررين بعيداً عن سيطرة الجيش والمليشيات الاسلاموية.

ثانياً: ان يفرض مجلس الأمن عقوبات موجهة لا تطال الشعب السوداني، بل تستهدف قادة الجيش ومموليهم ومصادر تمويلهم مع تجميد أموالهم وحظر سفرهم.

ثالثاً: يجب تفعيل آليات المحكمة الجنائية الدولية وفتح ملفات تحقيق عاجلة ضد كل من تورط في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، تماماً كما حدث في البلقان ورواندا.

رابعًا: لا يمكن لأي عملية سلام أن تنجح إذا لم تبدأ بتفكيك البنية العسكرية للحركة الإسلامية داخل الجيش وتجريدها من نفوذها على مؤسسات الدولة.

إن ما يحدث في السودان اليوم ليس شأناً داخلياً فحسب، بل تهديداً للأمن الإقليمي بأسره، وإذا استمر المجتمع الدولي في صمته الحالي فإن (الكارثة).. ستتسع وتتحول إلى مأساة جديدة في قلب إفريقيا، وإن التاريخ لن يرحم المتواطئين بالصمت كما لن يغفر لمن يتاجر بدماء الأبرياء في السودان، فإما أن تُسمى الجرائم بأسمائها ويُعاقب المجرمون على أفعالهم أو سيكتب التاريخ أن العالم كله كان شريكاً في جريمة الإبادة (الصامتة) ضد الشعب السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!