رأي

تقسيم السودان: لماذا قد تفاجئ “دولة الغرب” الجميع وتزدهر بينما تترنح “دولة النهر و البحر “

عبدالله محمد ادم

عبدالله محمد ادم
في خضم الدمار الذي خلفته الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يطفو على السطح سيناريو مخيف بالنسبة للبعض، ومطروح كحل عملي للبعض الآخر: تقسيم السودان إلى كيانين. الأول، دولة في الغرب تحت سيطرة الدعم السريع و الحركات المتحالفةمعها، تضم دارفور وكردفان الكبرى والنيل الأزرق. والكيان الثاني، دولة في الشمال والشرق والوسط تحت سيطرة الجيش، تتمحور حول نهر النيل، والرأي السائد هو أن الكيان الأول محكوم عليه بالفشل والاضطراب، لكن قراءة متعمقة للواقع الاجتماعي و السياسي والاقتصادي قد تقدم نتائج عكسية تماماً، وتشير إلى أن “دولة الغرب” قد تكون الأكثر استقراراً على المدى المتوسط، بينما ستواجه “دولة البحر والنهر” تحديات وجودية قد تعصف بها.
فأسس الاستقرار المتوقعة في دولة الغرب (دولة الدعم السريع) قد يكون بسبب نهاية حجة التهميش وولادة عقد اجتماعي جديد، فلطالما ظلت مناطق الغرب و النيل الازرق تعاني من إهمال مركزي طويل الأمد و لم تعهد هذه المجتمعات يوماً على دولة تقدم لها خدمات أساسية كالمياه و الصحة والتعليم. لذلك، فإن توقعات مواطنيها من دولتهم الجديدة ستكون متواضعة ومبنية على الواقع المرير الذي عاشوه و مجرد تقديم الحد الأدنى من الخدمات سيعتبر انتصاراً كبيراً وسيبني شرعية كبيرة للحكم، اما حجة “التهميش” التي كانت وقوداً لكل التمردات السابقة ستتبخر عملياً عندما يصبح أبناء المنطقة هم أنفسهم على قمة هرم السلطة وإدارة مؤسسات الدولة.
و يجب ان لا ننسي الإرهاق من الحرب والرغبة الجامحة في السلام، فقد عاش سكان هذه المناطق أجيالاً متتابعة في دائرة مفرغة من العنف حتي وصلوا إلى مرحلة الإعياء الكامل من الحرب، هذه الرغبة العميقة في السلام، مقترنة بقوة عسكرية قادرة على فرضه، تخلق بيئة خصبة لميلاد استقرار لم يعرفه السودان منذ عقود، فالمجتمع هنا لا يحتاج إلى إقناع بضرورة إنهاء الحرب؛ فهو يعيش تبعاتها يوميا
لكن يبقي فرض هيبة الدولة وعلاج الثغرة القبلية هو التحدي الرئيسي المتوقع والحل العملي لهذا التحدي، وإن كان قاسياً، هو فرض هيبة الدولة منذ اليوم الأول باستخدام القوة المفرطة لتحقيق الاحتكار الكامل للسلاح،و قوات الدعم السريع ليست غريبة عن هذا النهج؛ فقد اشتهرت خلال الفترة الانتقالية بفرضها للأمن في مناطق نفوذها بيد حديدية، مما أعطى لمحات عن قدرتها على كبح جماح الفوضى، إلى جانب هذه القوة، يمكن لدولة ناشئة أن تنشيء إدارات محلية تعنى بالمصالحات الاجتماعية وأخرى متخصصة في تقديم الخدمات، وهو نموذج شهد به الكثيرون في مناطق سيطرتهم سابقاً فيما يتعلق ببناء مدارس وتأمين مياه شرب نقية
اما التحديات الوجودية التي ستواجه دولة النهر و البحر (دولة الجيش) فتتمثل في فقدان الموارد الحيوية وإفلاس الخزينة، وستواجه هذه الدولة ضربة اقتصادية قاصمة بفقدها أغلب موارد البلاد من ذهب وموارد زراعية وحيوانية كانت تأتي من دارفور وكردفان والنيل الأزرق، هذه المناطق كانت بمثابة الخزّان الذي يمول الخزينة الفيدرالية، ايضا دولة النهر و البحر ستبدأ حياتها وهي مثقلة بديون خارجية وهيكل بيروقراطي ضخم، دون أن تملك الإيرادات الكافية لتمويله، ناهيك عن توقعات سكانها العالية، و ارتفاع سقف التوقعات وتراجع الخدمات سيكون التحدي الاكبر،لان سكان المركز معتادون على مستوىً من الخدمات (شوارع مسفلتة، مدارس، مياه نقية) ولو كان متدهوراً في السنوات الأخيرة،و المشكلة أن الدولة الجديدة لن تملك الموارد للحفاظ على هذه الخدمات، ناهيك عن تطويرها.
هذه الفجوة بين ما اعتاد عليه المواطن وما يمكن للدولة تقديمه ستولد سخطاً شعبياً هائلاً و احتجاجات قد تعجز الحكومة عن احتوائها، اضف الي ذلك استمرار بؤر التمرد في الداخل، فهذه الدولة لن تورث فقط أرضاً فقيرة الموارد، بل ستورث أيضاً كل حركات التمرد التي كانت تناضل ضد “المركز” في الشرق (مثل مشاكل بورتسودان السابقة) وغيرها ،و سيجد سكان الشرق أنفسهم تحت سيطرة نفس النخبة الشمالية التي قاتلوها لعقود من أجل تحقيق حقوقهم، مما يضمن استمرار دائرة العنف داخل الدولة الجديدة نفسها، لان الدولة ستتُدار بـعقلية المركز ذاتها التي قادت السودان إلى حافة الهاويةو بنخبة تعتقد أن إدارة قطر في حجم قارة هو حق مكتسب، لكنها الآن ستجد نفسها مسؤولة عن دولة أفقر وأصغر، دون أن تتخلى بالضرورة عن شرهها للسلطة وتقاليد الإدارة المتكلسة.
في حين أن التقسيم هو دائماً خيار مأساوي ومكلف بشرياً، لكن تحليل الديناميكيات الداخلية للمجموعتين المحتملتين يظهر أن الصورة النمطية عن “دولة مستقرة” وأخرى “فاشلة” تحتاج إلى مراجعة، و “دولة الغرب” ستبدأ من الصفر، بتوقعات متواضعة، وقيادة عسكرية قاسية لكنها قادرة على فرض الأمن، وموارد طبيعية غنية، ورغبة شعبية لا نظير لها في السلام. بينما ستبدأ “دولة النهر و البحر” و هي مثقلة بإرث من الفشل الإداري، وغياب الموارد، وسقف توقعات مرتفع، وبؤر تمرد داخلية.
و لسوء الحظ، فإن الدولة التي قد تواجه خطر الانهيار الحقيقي ليست هي التي يحكمها الميليشيات في الغرب، بل هي التي ورثت عيوب المركز القديم دون أن ترث موارده، لذلك السلام و الوحدة خير للجميع ان كنتم تعلمون

—

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!