
عبدالرحمن أبو رندة ..بنسلفانيا
من لا يعرف جذوره لا يمكنه أن يختار مستقبله بوعي.
في السودان، تتشابك الهويات وتتقاطع الجغرافيا والثقافة والسياسة بطريقة لم تترك مساحة للوعي الجماعي، بل خلقت فراغاً تاريخياً وانقسامات متجذرة. إن أزمة الهوية في البلاد لم تقتصر على شكل الانتماءات، بل امتدت لتكون سبباً في سلسلة من المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طال أمدها، وتركت أثرها العميق في بنية الدولة وسلوك مؤسساتها. فالدولة السودانية منذ نشأتها لم تُبنى على عقد اجتماعي متكامل، بل كانت امتداداً لوظائف استعمارية، نشأت لتسيطر وتستخرج الموارد، لا لتوفر عدالة ومواطنة حقيقية، وهو ما جعل مفهوم الدولة هشاً منذ البداية.
غياب المشروع الوطني الشامل خلق فجوة بين المركز والهامش، بين ما يُعرف تاريخياً بالمدن الكبرى والمناطق الريفية والنائية، وترك المجال لتراكمات من الظلم الهيكلي والاجتماعي. فقد تم استدعاء الانتماءات القبلية والعشائرية والدينية كأدوات لإعادة إنتاج الهيمنة، ومن ثم إنتاج تفاوتات امتدت لتشمل فرص التعليم والتوظيف وتوزيع الثروات والخدمات. هكذا أصبح الانتماء إلى شجرة نسب، أو موقع جغرافي محدد، معياراً للحصول على الحقوق أو فقدانها، ما غذّى شعوراً مستمراً بالتمييز والإقصاء.
أزمة الهوية هذه لم تكن مجرد قضية ثقافية، بل تحولت إلى أداة لتبرير سياسات وممارسات سلطوية. لقد أسهمت في صناعة فروق طبقية، وفرضت نماذج أحادية على قطاعات واسعة من السكان، ما أضعف الانسجام الاجتماعي وأدى إلى فقدان الثقة بين المواطن والدولة. ففي حين استحوذت النخب على الموارد، ظل الشارع يعاني من حرمان طويل، خصوصاً في القطاعات المهمشة اقتصادياً وإدارياً، كالمجتمعات الرعوية والزراعية، التي غالباً ما كانت تُستغل كمصدر للموارد أو قوة ضغط سياسية، دون أن تُمنح الحقوق المكافئة لغيرها من مناطق النفوذ المركزي.
ومع تراكم هذه الانقسامات، أصبح الحوار الوطني أكثر إلحاحاً، إذ لم يعد من الممكن معالجة الأزمة الاقتصادية أو السياسية بمعزل عن البعد الهوياتي. فالأزمة الحالية هي انعكاس لمآسي تاريخية تراكمت على مدى عقود، تتطلب إعادة تعريف السودان على أسس جديدة، لا تقتصر على أسماء الشخصيات أو تبديل النخب، بل على إعادة بناء العقد الاجتماعي نفسه. هذا العقد يجب أن يضمن الاعتراف المتساوي بكافة المكونات، ويضع أسس العدالة في الحقوق والواجبات، ويخلق آليات لضمان المشاركة والمساءلة، بحيث تتحول الدولة من أداة للهيمنة إلى فضاء جامعة لكل المواطنين.
إعادة تأسيس السودان على أسس جديدة تعني أيضاً إعادة النظر في دور المؤسسات، خصوصاً العسكرية والإدارية، التي لطالما شكلت امتداداً للهيمنة أكثر من كونها أدوات حماية وخدمة. كما تعني تعزيز ثقافة المواطنة والتكافؤ، وضمان أن تكون السلطة أداة لتحقيق الصالح العام لا غنيمة لفئة محددة. ومن دون هذه المعادلة، ستظل الدولة عرضة للتصدعات المستمرة، والهوية الوطنية مفككة، والمجتمع عرضة للانقسامات والصراعات التي تعيد إنتاج المظالم التاريخية نفسها.
إن بناء دولة جديدة في السودان ليس خياراً فكرياً فحسب، بل ضرورة وجودية لإيقاف دورة الظلم والتهميش. يجب أن تبدأ العملية بتعريف الهوية الوطنية بشكل متساوٍ، يضمن الاعتراف بحق كل المكونات، ويعطي لكل فرد مساحة ليكون شريكاً في صنع مستقبله. هذا هو الطريق الذي يمكن أن يحوّل السودان من مسرح الانقسامات التاريخية إلى وطن جامع، يحمي حقوق الجميع ويعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن.
السودان يحتاج اليوم إلى عقد اجتماعي جديد، ودولة جديدة، ومشروع وطن يُعيد لكل فرد فيه مكانته، بعيداً عن الانقسامات الموروثة والسياسات الإقصائية، ويضع أسساً لمستقبل مشترك يضطلع فيه كل مواطن بدوره، ويشعر بالانتماء والكرامة على حد سواء.




