
يوم أمس، الموافق ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥، سيظل محفوراً في ذاكرة السودان كأحد أعظم أيامه.
في نيالا البحير، المدينة التي قاومت القهر بالحلم، واختلط ترابها بدماء الشهداء، انطلقت مسيرة التحول الذي سيضع حداً للتهميش الممنهج من قبل المركز الطفيلي الذي ظل لعقود يسرق موارده ويقمع أحلامه.
أمس، إحتفلت نيالا لا بشخص، بل إحتفلت وإحتفل معها كل السودانيين الشرفاء بتحول تاريخي يُعيد تعريف الدولة السودانية من جذورها.
هنيئاً للفريق محمد حمدان دقلو، رئيس جمهورية السودان، القادم من الهامش، من الناس الغبش، من الرعاة والمزارعين والكادحين.
هنيئاً لنائبه الأستاذ المناضل عبد العزيز الحلو، الذي حمل قضية المهمشين بصدق، ودفع ثمنها من عمره ونضاله.
هنيئاً للشعب السوداني، الذي أثبت أن لا قيمة للحياة بلا حرية، ولا معنى للوطن بلا عدالة.
لأول مرة منذ استقلال السودان عام ١٩٥٦، يتولى رئاسة الدولة ونائبها من خرجوا من رحم الهامش، من المناطق التي طالما تعرضت للتضليل، للتجهيل، للتقتيل، وللإقصاء المتعمد من دوائر القرار.
إنها لحظة تاريخية تُعيد الاعتبار للفقراء، للكادحين، للمهمّشين الذين يقاتلون بيد ويبنون بالأخرى، لا طلباً للسلطة، بل تأكيداً لإرادة الحياة.
لأول مرة، يُؤدى القسم أمام القضاء، لا أمام الطغيان.
لأول مرة، يكون الدستور مرآة لإرادة الشعب: دستور ديمقراطي، فيدرالي، علماني، يُساوي بين السودانيين والسودانيات، ويُعيد تعريف الدولة على أساس المواطنة لا الامتياز.
نيالا تحتفل، لأن السودان بدأ يتحرر من بنية الهيمنة، من جيشٍ كان أداة للقمع، ومن دينٍ استُغل للنهب، ومن بيروقراطية خنقت الهامش.
اليوم، تُبنى الدولة من القرى، من الفرقان، من الحلال، من معسكرات النزوح، من وجوه الكادحين الذين لم يُهزموا رغم كل القهر والبطش والقتل.
هذا التحول ليس نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية نحو وطن يرنو لمعانقة الذرى.
من نيالا أعلن ابناء وبنات السودان الشرفاء أن الثورة مستمرة، وأن السودان الجديد يُكتب الآن، لا بالحبر، بل بالوعي، والدم، والوفاء للشهداء الأبرار الذين ولولاهم ما كان هذا اليوم ممكناً.




