
في ظل التحولات التاريخية التي يعيشها السودان مع ميلاد حكومة السلام والوحدة الوطنية، تبرز قضية النساء كأحد أعمدة التأسيس الجديدة، لا باعتبارهن ضحايا للحروب فحسب، بل كقوة اجتماعية وسياسية فاعلة في صياغة المستقبل. لقد تحملت النساء السودانيات أعباءً مضاعفة في خضم النزاعات، من العنف الجسدي والنفسي إلى النزوح وفقدان المأوى، ومن حرمان التعليم إلى الإقصاء من مواقع القرار. واليوم، ومع فتح صفحة جديدة من التاريخ الوطني، فإن المطالب النسوية لم تعد قضايا هامشية أو مطالب فئوية، بل استحقاقات ضرورية لنجاح مشروع التأسيس ولضمان أن يكون الغد المشرق شاملاً وعادلاً.
أولى هذه المطالب تتمثل في الحماية من العنف الجنسي والجسدي الذي استُخدم كسلاح حرب في مناطق عديدة من السودان. وقد أظهرت التجارب العالمية الحديثة أن معالجة هذا الملف تتطلب آليات مؤسسية صارمة، كما حدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث جرى إنشاء مراكز متخصصة بدعم دولي لعلاج الناجيات نفسياً وجسدياً، وتجريم الانتهاكات عبر محاكمات علنية. على حكومة الوحدة والسلام أن تستلهم هذه التجارب لتبني نظام حماية وقائي وعدلي يُعيد للنساء شعورهن بالأمان وكرامتهن.
أما النزوح وفقدان المأوى، فهو مأساة مشتركة بين النساء في السودان ونظيراتهن في مناطق نزاع أخرى. التجربة الأوكرانية بعد الحرب الروسية منذ عام 2022، والتجربة الأردنية مع اللاجئات السوريات، قدمتا نماذج مهمة لكيفية تصميم مساكن تراعي احتياجات النساء من الأمن والخصوصية والخدمات الصحية. وفي السودان، يمثل تبني مثل هذه النماذج ضرورة لتخفيف معاناة النساء وضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
على الصعيد الاقتصادي، أظهرت تجارب دول ما بعد النزاعات أن تمكين النساء اقتصادياً يمثل ركيزة للتعافي الوطني. ففي رواندا، التي شهدت إبادة مروعة، نجحت برامج تمويل المشروعات الصغيرة والتعاونيات النسائية في إعادة دمج النساء كقوة إنتاجية أساسية. وفي اليمن خلال السنوات الأخيرة، أثبتت مبادرات “النقد مقابل العمل” جدواها في توفير دخل مؤقت للأسر التي تعيلها النساء. هذه الدروس تؤكد أن السودان بحاجة إلى استراتيجية اقتصادية واضحة تجعل النساء في قلب عملية التنمية، من خلال التدريب، التمويل، وإتاحة الفرص في القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية.
ومع ذلك يبقى التعليم التحدي الجوهري والضرورة القصوى. فالفتيات غالباً أول من يُجبرن على ترك الدراسة أثناء الحروب، ما يعيد إنتاج دوائر الفقر والتهميش. وفي هذا الصدد تقدم التجارب العالمية الحديثة دروساً ملهمة، كما فعلت اليونيسف في سوريا ولبنان بإنشاء مدارس طوارئ للفتيات، أو كما جرى في مناطق من أفغانستان حيث وُجدت مدارس مجتمعية سرية لتعليم البنات رغم القيود. هذه الأمثلة تبرهن أن الإصرار على استمرار تعليم الفتيات، حتى في أصعب الظروف، هو صمام الأمان لمستقبل المجتمعات. بالنسبة للسودان، ولذلك فإن أي مشروع لإعادة التأسيس لا يكتمل ما لم يجعل تعليم البنات أولوية وطنية قصوى، عبر إعادة بناء المدارس، تقديم منح دراسية خاصة للنازحات، وضمان بيئة تعليمية آمنة تشجع الأسر على إبقاء بناتهن في مقاعد الدراسة.
التحدي الآخر يتمثل في المشاركة السياسية. فالتجربة الليبيرية بقيادة النساء عام 2003، التي ساهمت في إنهاء الحرب الأهلية وأتاحت انتخاب أول رئيسة إفريقية، إلين جونسون سيرليف، تقدم درساً بالغ الأهمية. وفي كولومبيا، خلال اتفاق السلام الموقّع عام 2016، كان إشراك النساء في المفاوضات عاملاً أساسياً في إدراج قضايا العدالة الانتقالية والحقوق المدنية. هذه الأمثلة تؤكد أن إشراك النساء السودانيات في عمليات السلام وصنع القرار ليس مجرد استجابة أخلاقية، بل شرط أساسي لتحقيق سلام عادل ومستدام.
إن هذه المطالب النسوية – من الحماية والأمن، والسكن الآمن، والتمكين الاقتصادي، والتعليم، إلى المشاركة السياسية – كلها تتقاطع مع مفاهيم الحكم الرشيد والحوكمة والشفافية. فهي في جوهرها دعوة لبناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، وإدارة موارد قائمة على العدالة والإنصاف، وتوزيع متوازن للفرص. كما أنها تتناغم مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (2030)، التي تضع المساواة بين الجنسين وتمكين النساء في صميم خطط القضاء على الفقر والجوع، وتحقيق الصحة والتعليم والتنمية الشاملة.
اليوم، تنظر نساء السودان إلى حكومة الوحدة والسلام كنافذة تاريخية نحو مستقبل جديد. فهن يتطلعن إلى وطن تتعلم فيه الفتيات بلا خوف من النزوح أو الفقر، وتعمل فيه النساء بكرامة، ويشاركن في صياغة القرار على قدم المساواة مع الرجال، ويعشن في أمان يضمن لهن الحرية والعدالة. إن السودان الجديد لن يُبنى من دون النساء، ولن يزدهر ما لم يكن لهن موقع الصدارة في مشروع إعادة التأسيس. فهن لسن مجرد شهود على الماضي، بل ركيزة أساسية في بناء الغد المشرق.




