رأي

حكومة التأسيس.. وعد الحرية والعدالة

نجم الدين دريسة

لم يكن صباح أداء السيد محمد حمدان دقلو لليمين الدستورية حدثاً عادياً في تاريخ السودان، بل لحظة فاصلة صنعت زخماً شعبياً عريضاً غمر وجدان المهمشين والمقهورين وأشعل جذوة الأمل في نفوس الملايين. إنها لحظة ميلاد حكومة التأسيس التي انتظرها الشعب طويلاً، حكومة وُلدت من رحم التضحيات الجسام، ومن دماء الشهداء الذين رسموا بدمائهم طريق الحرية والعدالة، ومن أنين الأرامل وصبر الأيتام ودموع النازحين الذين يحلمون بوطنٍ يتسع للجميع.
لقد عانى السودان لعقود من دولة النخب التي استأثرت بالسلطة والثروة ومارست العنف والإقصاء، وجعلت من مؤسسات الدولة أدوات للبطش والقهر. لكن لحظة التأسيس جاءت لتعلن نهاية عهد الاستبداد وبداية مسار جديد تتصدره الشعوب المهمشة، وتعيد الاعتبار لحقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إن هذه الشعوب، التي قاومت الظلم لعشرات السنين، تستحق أن تمسك زمام المبادرة لتخط مستقبلها بنفسها، بعيداً عن أوصياء المركز وأرباب الأوليغارشية.

إن حكومة التأسيس لا تمثل مجرد تغيير سياسي، بل تعكس ثورة معرفية وفكرية في مفهوم الدولة السودانية؛ فهي أول حكومة تُبنى على الاعتراف بالتعدد والتنوع، وتُؤسس للفيدرالية والديمقراطية والعلمانية كضمانات لعدالة توزيع السلطة والثروة، وتفتح الباب واسعاً أمام صياغة عقد اجتماعي جديد يُنهي احتكار النخب ويضع الشعب في قلب المعادلة السياسية. إنها بحق صرخة ميلاد وطن جديد، وطن يرفع شعاره من نبض الجماهير لا من أوامر قصرٍ أو مجلس ضيق.
لقد أنجزت هذه الحكومة خطوة مهمة بصياغة دستور انتقالي ووثيقة سياسية عالجت جذور الأزمة السودانية وشخصت أمراضها بوضوح، وهي مطالبة اليوم بترجمة هذه المبادئ إلى أفعال: بتوفير الأمن والحماية للمواطن، ورد المظالم، وإنصاف ضحايا الحروب، وتحقيق العدالة الانتقالية، فضلاً عن ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز المصالحة الوطنية حتى لا يبقى جرح مفتوح يهدد مسيرة السلام.
كما يقع على عاتق حكومة التأسيس بناء مؤسسات دولة حديثة وراسخة تستند إلى القانون والعلم والتنظيم الرشيد، مع تبني سياسة خارجية متوازنة تحافظ على السيادة الوطنية وتؤسس لشراكات إقليمية ودولية فاعلة، بما يعزز مكانة السودان ويخرجه من عزلته الطويلة. إنها مطالبة بأن تجعل من الدبلوماسية أداةً لاختراق جدران العزلة، وجسراً يربط السودان بمحيطه الإقليمي والدولي على أساس المصالح المتبادلة لا التبعية.
إن السودان اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يُؤسس لدولة العدل والمواطنة والحرية، وإما أن يُترك لدوامة التهميش والفشل التي خبرها الناس طويلاً. لكن اللحظة الراهنة، بما تحمله من رمزية واندفاع جماهيري غير مسبوق، تمنح أملاً كبيراً بأن السودان في طريقه للتحرر من ميراث الاستعمار ومن قيود الدولة النخبوية، نحو وطن جديد متصالح مع ذاته، عادل مع مواطنيه، ومنفتح على العالم.
إنها ساعة الحقيقة.. ساعة التأسيس لعصر الحرية والعدالة، ولعهدٍ تتوارثه الأجيال بكرامة وفخر، حيث لا مكان للظلم بعد اليوم، ولا عودة لعقارب الاستبداد إلى الوراء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!