رأي

محمد حسن التعايشي وكامل ادريس قراءة في خطابين (٢-٢)

عباس احمد السخي

يمثل الخطاب السياسي مرآة حقيقية لمدى نضج الفاعلين في الساحة الوطنية وقدرتهم على استشراف المستقبل، ومن هذا المنطلق فإن النظر في خطابي محمد حسن التعايشي مقارنة مع كامل إدريس يكشف عن تباين حاد في الرؤى والمواقف ويضيء المسافة الشاسعة بين مشروع يسعى إلى تأسيس دولة حديثة تستند إلى مبادئ العدالة والسلام، وبين خطاب آخر يراوح مكانه في خانة الانغلاق الأيديولوجي والارتهان للمحاور الإقليمية.
فقد تميز خطاب التعايشي بروح مسؤولة ونَفَس وطني يسعى إلى معالجة قضايا السودان من جذورها، حيث أكد التزامه بالمواثيق الدولية والانفتاح على المحيطين الإقليمي والدولي إدراكًا منه لأهمية ربط السودان بعلاقات تقوم على الندية والمصالح المشتركة، ووضع قضية إنهاء الحرب في صدارة أولوياته مؤكدًا أن السلام العادل هو المدخل الحقيقي لاستقرار البلاد ووحدتها. ولم يتوقف عند العموميات بل تناول بوضوح حق الجماهير في الخدمات الأساسية من صحة ومياه وكهرباء وأمن منطلقًا من نظرة واقعية ترى أن رفاهية المواطن هي معيار شرعية أي سلطة سياسية، كما ربط ذلك بوعي عميق بضرورة وحدة التراب السوداني من حلايب وشلاتين شرقًا إلى دارفور غربًا مرورًا بالشرق والشمال والوسط، تأكيدًا على أن حماية وحدة الأرض والسيادة الوطنية مسؤولية لا يمكن التهاون فيها.

وعلى الصعيد الخارجي طرح التعايشي رؤية تقوم على احترام السيادة والمصالحة المشتركة وبناء حسن الجوار بعيدًا عن سياسة المحاور الضيقة، وأعلن التزامه بدستور تأسيسي لعام 2025 ليكون منطلقًا لوضع التشريعات الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان، في إشارة واضحة إلى وعيه بأهمية البنية الدستورية السليمة لبناء الدولة. أما في إدارة الدولة فقد شدد على أن الحكومة خادمة للشعب لا العكس، وأن حوكمة الموارد والتوزيع العادل للثروة والدخل تمثل حجر الزاوية في مشروعه السياسي، وربط ذلك بخريطة طريق واضحة تشمل تحقيق السلام ودمج الوحدات العسكرية المقاتلة ووضع خطة جادة لمحاربة الفساد والإرهاب والجريمة المنظمة بما فيها الاتجار بالبشر والمخدرات، وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا بأن بناء الدولة الحديثة يستلزم مؤسسات قوية شفافة وسياسات تنموية عادلة ورؤية شاملة للأمن الوطني.
في المقابل جاء خطاب كامل إدريس مغايرا في بنيته ورؤيته، إذ اتسم بانغلاق واضح في بوتقة الإخوان المسلمين وشرنقة الجيش واستمر في الحديث عن “حرب الكرامة” المزعومة بما يشير إلى عزلة عن واقع الشعب وتزيين للحرب ومآسيها، وهو خطاب يقوم على فرضية هزيمة ثورة الهامش بدل السعي لمعالجة جذورها عبر الحوار والتسوية. كما تبنى إدريس أطروحات الإخوان الانتقائية القائمة على تجريم الآخر وإقصائه بدل الانفتاح على التعددية السياسية، وجاءت مواقفه في السيادة الوطنية مخيبة حيث تفريط واضح في مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد لصالح مصر، وهو ما يمثل تناقضًا صارخًا مع خطاب التعايشي الداعي إلى حماية وحدة التراب الوطني.

أما في العلاقات الخارجية فقد رهن إدريس السودان بالمحاور الإقليمية ذات الطابع الأيديولوجي بالاصطفاف مع تركيا وإيران وحركات التطرف، مما يهدد علاقات السودان مع جواره المباشر، وعلى الصعيد القانوني لم يُبدِ أي التزام بإطار دستوري واضح، حيث ظل السودان منذ انقلاب 2021 يحكم عبر قوانين إدارية متضاربة، كما عُدلت الوثيقة الدستورية أكثر من مرة حتى أُفرغت من محتواها. وتتجلى الفوارق بين الرجلين بوضوح في النظرة إلى العلاقة بين الدولة والشعب، ففي حين يؤكد التعايشي أن الحكومة خادمة للشعب يرى إدريس أن الشعب خادم للجيش ومؤسساته، كما أن إدارة الموارد عنده تقوم على الاستنزاف والضرائب والفساد ونهب الثروات في مقابل دعوة التعايشي لحوكمة الموارد وتوزيعها بعدالة. وإذا كان التعايشي قد طرح خطة واضحة لمحاربة الفساد باعتباره شرطًا للتنمية فإن خطاب إدريس أغفل هذا الجانب تمامًا، كما لم يحفل بالحديث عن محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة ، تلك المهمة التي وضعها صمت ابرز أولوياته وربطها بضرورة بناء مؤسسات دولة شفافة قادرة على مواجهة تلك التحديات.
يتضح من هذه القراءة أن خطاب التعايشي يمثل محاولة جادة لتأسيس مشروع وطني حديث يقوم على السلام العادل ووحدة التراب وحوكمة الموارد وبناء المؤسسات والانفتاح على العالم، في حين أن خطابات إدريس تراوح مكانها في مربع الانغلاق الأيديولوجي وتكرس سياسات الاستنزاف والتبعية للمحاور الإقليمية مع تجاهل حقيقي لقضايا الشعب وحقوقه الأساسية. إن هذه المفارقة بين الخطابين تعكس صراعًا أعمق في الساحة السودانية بين تيارين، تيار يسعى لبناء دولة مدنية حديثة على أسس العدالة والحرية والشفافية ويمثله خطاب التعايشي، وتيار آخر يعيد إنتاج الماضي عبر تحالفات أيديولوجية وعسكرية ضيقة ويمثله خطابات إدريس. وبين هذين الخطين يظل الرهان على وعي الجماهير السودانية القادرة على تمييز المشاريع الحقيقية من الشعارات الزائفة وعلى إرادتها في بناء وطن يليق بتضحياتها وتطلعاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!