رأي

ترسين.. الكارثة التي دفنت ضمير العالم

خالد تارس

خالد تارس

في القرية الصغيرة على سفح جبل مرة، تحوّل الانزالق الارضى إلى طوفان ابتلع المئات من الناس في لحظة واحدة، حيث لم ينجُ سوى شخصٍ واحد ودجاجة، وكأن القدر أراد أن يتركهما شاهديْن على فداحة المأساة، إنسان يترنّح من هول الصدمة، وديكُ يصيحُ بأعلى صوته ساخراً من هشاشة مصائر البشر وفناء الضمير الانساني، وهناك تحت الركام دُفنت القرية بكاملها ماعدا الديك والرجل العجوز، لكن فوق السطح انكشف زيف السياسة وعجز العالم الإنساني الذي يحمل الطفايات الاستراتيجية صوب حرائق اشعلها الساسه بينما يقوف متفرجاً من ضحايا الكوارث الطبيعية وعاجزاً عن تقديم الدعم للناجين من الموت.

أن الفاجعة لم تكن في الذين ابتلعتهم الارض، فلهم الرحمة والسلام، ولكن في ذويهم وأهلهم الذين بقوا على قيد الحياة يتنفسون المأساة بصدور مُثقلة بالحزن والخذلان، هؤلاء وقفوا على الأطلال مذهولين (مزعورين).. يفتشون بين الركام على بقايا حياة واحياء، ولا يجدون سوى الصمت المخزي، صمت أشد قسوة من الموت نفسه. ولأن السياسة لا تعرف الحياء والحياة، خرج بعض الساسة وتجار الحرب بكلمات باهتة وباردة يحاولون التهوين من حجم الكارثة تقليلاً من الضحايا لكونهم من اهالي جبل مره، وكأن مئات الأرواح لا تعدو كونها رقماً يُضاف إلى سجلّ الحوادث الطبيعية، فقد دفنوا الضحايا مرتين، مرةً تحت التراب ومرةً أخرى تحت نفاق لا يرى في الدماء سوى مادة للاستهلاك السياسي.!

علمت ان حركة تحرير السودان بقيادة الرفيق عبد الواحد والإدارة المدنية التابعة لها، هي الوحيدة التي رفعت صوت الاستغاثة وناشدت العالم بالتدخل وكذلك رئيس وزراء حكومة تاسيس محمد التعايشي، لكن أصداء النداء تلاشت في صمت دولي ثقيل، ذلك الصمت لم يكن محايدًا، بل كان انعكاساً لسياسة عالمية لا تعترف بقيمة الإنسان إلا إذا ارتبطت حياته بموقع استراتيجي معين أو ثروة طامعة، أما قرية صغيرة في جبل مره فلا مكان لها على جدول أولويات الضمير العالمي.!

إن كارثة ترسين لم تكن مجرد مأساة طبيعية، بل فضيحة سياسية وأخلاقية، فضحت هشاشة الخطاب الإنساني الدولي، وكشفت أن شعارات العدالة والرحمة لا تتجاوز حدود المنصات الإعلامية والبيانات الموسومة بالشجب، ففي اللحظة التي دُفنت فيها الانهيارات الارضية أهالي ترسين تحت التراب دُفن معهم أيضاً زيف الخطاب الأممي عن حقوق الإنسان، وتظل قرية ترسين التي طمرتها الانزلاقات الارضية ليست اسم على خارطة جبل مره، بل علامة فارقة في سجل الذاكرة الإنسانية، وصرخة مدوّية في وجه من يتاجرون بالموتى وضمائر الناس في التقارير الاممية، عالم يشيح بوجهة عن المآسي إذا لم تخدم مصالحه. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو كيف صار الإنسان مجرد تفصيل في لعبة السياسة وهامشاً في تقرير دولي ورقمًا بلا دلالة في البيانات الباردة.؟

إن ما تحتاجه المأساة البشرية ليس دموعاً تتبخر ولا خطب جوفاء، بل موقفاً أخلاقياً وشجاعاً يضع الإنسان قبل السياسة والمصلحة الاستراتيجية، فترسين ستظل شاهداً على أن العالم قد فشل في امتحان الإنسانية، وأن الضمير الحي لم يُدفن بعد، بل ينتظر من يجرؤ على إنقاذه من تحت ركام الانزلاقات الارضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!