جشع المنصب و تضارب المصالح: قراءة في نفسية وزير سوداني يعلن عن استشاراته المدفوعة
عبدالله محمد ادم :كمبالا

عبدالله محمد ادم :كمبالا
في مشهد يعكس مزيجًا من السذاجة و الجرأة غير المسبوقة، أثار وزير الثروة الحيوانية في حكومة بورتسودان جدلًا واسعًا بعد أن نشر منشورًا على منصة “لينكدإن” يعرض فيه خدماته الاستشارية على الشركات العاملة في مجال الثروة الحيوانية، بحجة أن راتبه لا يكفيه، و ما بين سخرية المتابعين و استغرابهم، يظل هذا السلوك نافذة نطل منها على أعماق نفسية قد تكون أكثر تعقيدًا مما يبدو، و مرآة تعكس واقعًا سياسيًا وإداريًا أعمق بكثير من مجرد منشور عابر،فالرجل الذي قضى عقودًا من عمره في دول الخليج وجمع من المال ما يكفيه و يدخر، يعود اليوم ليعلن عن حاجته الملحة لوظيفة إضافية، ليس دفاعًا عن حياة كريمة، بل انكشافًا لطباع جُبل عليها، إنها النفس البشرية التي لا تشبع، والتي لا يعترف لديها الادخار بحدود ولا الإنجاز باكتمال، لكن الأدهى من ذلك أن هذا الطمع لا يقف عند حدود الجمع الشخصي، بل يتجاوزه إلى استغلال الموقع الرسمي و المنصب العام لتحقيق مكاسب إضافية،فالوزير، الذي يفترض أن يكون قد خبر الحياة في دول الخليج و اطلع على معايير النزاهة و الشفافية، يتصرف وكأنه ما زال في سوق العمل الحر، متناسيًا أن المنصب العام ليس سلعة، وأن ثقة الشعب ليست رخصة للتجارة، إنه نموذج للتناقض الذي تعيشه النخبة السودانية، الذين يتحدثون عن الوطنية و يخدمون مصالحهم، يرفعون شعارات البناء وهم مشغولون بتشييد إمبراطورياتهم الخاصة.
انه سوء الحال في السودان، عندما يصبح المنصب وسيلة لا غاية، و ما فعله الوزير ليس فعل فرد بقدر ما هو أعراض لمرضٍ عضال أصاب هيكل الدولة السودانية ، في بلد يعاني من أزمة حكم حادة، وحربٍ أنهكت مقدراته، و انهيارٍ للخدمات الأساسية، نجد وزيرًا منشغلًا بتسويق استشاراته على منصة عالمية، و كأن البلاد في أمس الحاجة إلى خبرته في الثروة الحيوانية بينما تُذبح الثروة الوطنية يوميًا على مذابح الصراع و الفوضى.
هذا المشهد يطرح سؤالًا : كم وزيرًا قبله قدّم خدماته للشركات الأجنبية ورجال الأعمال دون أن يعلن عنها؟ وكم صفقة تمت في الظل، و كم استشارة بيعت، وكم قرارًا وُقع تحت طاولة المصالح الشخصية دون ان يعلم بها احد؟ إن السذاجة التي أظهرها هذا الوزير حين أعلن عن نفسه صراحة، تجعل منه حالة شاذة في بيئة اعتادت على التستر والتكتم، لكنها لا تجعله أقل إثمًا، بل ربما أكثر صدقًا في فضح ما يفعله غيره في الخفاء و المشكلة ليست في أن يطلب وزير عملاً إضافيًا، فالناس أحرار في سعيهم للرزق، لكن المشكلة تكمن في أن يكون هذا الوزير هو نفسه الجهة المنظمة و المرخصة والرقابية للقطاع الذي يقدم له الاستشارات، إنه يضع نفسه في موقع القاضي والخصم في آن واحد، فإذا أغرته الأموال التي ستدفع له من شركة ما، كيف يمكن ضمان أن قراراته الوزارية لن تأتي لصالح من يدفع اكثر؟ و هذا النوع من تضارب المصالح ليس مجرد خطأ إداري، بل هو خيانة مصغرة للوطن، واستباحة للمال العام باسم الاستشارات, إنه يجعل من وزارة الثروة الحيوانية سوقًا خاصة ومن القرارات السيادية صفقات شخصية، هل هذه سذاجة مدمرة أم صراحة مطلوبة؟
غريب أمر هذا الرجل، إنه يمارس ما يمارسه غيره من المسؤولين، لكنه يعلن عنه بلا مواربة، وكأنه لا يرى فيه حرجًا ولا مخالفة. لعلنا نشكره على هذه السذاجة التي فضحت ثقافة استغلال المنصب، و كشفت كيف أن بعض المسؤولين يعتبرون أنفسهم شركات متنقلة تبيع خدماتها لمن يدفع، حتى لو كان ذلك على حساب وطن يمر بأصعب ظروفه.
لكن أين القانون الذي يمنع تضارب المصالح وأين مؤسسات الدولة التي تحاسب من يحولون المناصب العامة إلى مشاريع خاصة؟ في اي بلد تحترم نفسها، كان من المفترض أن تؤدي هذه السذاجة إلى استقالة فورية أو تحقيق عاجل، لا إلى مجرد ضجة تذوب في زحام الأزمات، فهل يا تري نري تحقيقا ام استقالة بعد الاعلان العالمي ؟




