تقارير وتحقيقات

السودان يحيي اليوم الدولي لحماية التعليم وسط كارثة الحرب

 مها طبيق

في التاسع من سبتمبر، يحيي العالم اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات، وهو يوم اعتمدته الأمم المتحدة عام 2020 للتذكير بأن الحروب لا تدمر المباني فقط، بل تحطم مستقبل الأجيال حين تستهدف المدارس والطلاب والمعلمين. غير أن السودان في عام 2025 يستقبل هذا اليوم وسط كارثة حقيقية: آلاف المدارس المدمرة أو المغلقة، ملايين الأطفال خارج مقاعد الدراسة، معلمون مشردون بلا رواتب، وأطراف متحاربة تستغل المؤسسات التعليمية لتجنيد الأطفال أو تحويلها إلى مواقع عسكرية .

مدارس تتحول إلى ثكنات عسكرية :

منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023 ، تعرض أكثر من خمسة آلاف مدرسة للتدمير أو الإغلاق ، بحسب تقارير محلية ودولية . مدارس عديدة في الخرطوم ودارفور والجزيرة تحولت إلى مقرات عسكرية ومخازن أسلحة .
تقول مريم (15 عامًا) من نيالا : ” في مايو الماضي اقتحمت قوة مسلحة مدرستنا ، نصبت متاريس داخل الفصول ، فغادر المعلمون خوفًا من الاستهداف ، خيث لم يعد لنا مكان للتعلم . ” هذه الحوادث أصبحت ظاهرة عامة تشير إلى أن التعليم بات جزءًا من الصراع المسلح في السودان .

نزوح وتجنيد إجباري :

النزوح الجماعي الناتج عن الحرب حرم الملايين من حق التعليم . تشير تقديرات اليونيسف إلى أن أكثر من سبعة ملايين طفل سوداني خارج المدارس اليوم ، وهو رقم مرشح للزيادة . في معسكر ” أبو شوك ” بشمال دارفور ، يقول عادل ( 17 عامًا ) : ” تركت المدرسة بعد مقتل زميلي برصاص طائش. هنا لا توجد فصول ولا كتب . أكثر ما نخشاه هو التجنيد الاجباري من قبل المليشيات . ” شهادات مماثلة من ولايات أخرى تؤكد أن بعض المجموعات المسلحة تعرض على الطلاب الانضمام مقابل رواتب زهيدة أو وعود بالحماية ما يجعل التعليم في مواجهة مباشرة مع اقتصاد الحرب .

المعلمون مستهدفون :

المعلمون أيضًا يدفعون الثمن , حيث آلاف منهم فقدوا وظائفهم أو اضطروا إلى الهجرة . آخرون يعيشون تحت التهديد أو يعملون في مهن هامشية للبقاء . تقول آمنة وهي معلمة من شمال كردفان : تلقيت إنذارًا بعدم فتح المدرسة لأنها قريبة من منطقة عسكرية . زميلتي اختطفت لعدة أيام وتعرضت للتعذيب قبل الإفراج عنها حيث لم نعد معلمين ، وإنما أصبحنا أهدافًا . غياب الرواتب منذ أكثر من عام عمّق الأزمة ، ما يهدد أي إمكانية لإعادة بناء النظام التعليمي حتى بعد توقف الحرب .

استهداف ممنهج :

الجيش يستخدم المدارس كثكنات أو نقاط إمداد . قوات الدعم السريع تتخذ منها مقرات للسيطرة على المدن . المليشيات القبلية تراها فضاءً للتجنيد والسيطرة على المجتمعات المحلية . النتيجة أن التعليم يُعامل كغنيمة حرب . ورغم توقيع السودان عام 2015 على ” إعلان المدارس الآمنة ” ، لم يتم تنفيذ أي التزامات عملية .

الاستفادة من تجارب دول أخرى :

في أفغانستان لجأت المجتمعات إلى إنشاء مدارس مؤقتة داخل المنازل . في نيجيريا ورغم هجمات ” بوكو حرام ” ، برزت مبادرات مثل ” الفصول المتنقلة ” . في فلسطين ، يواصل الطلاب الدراسة تحت القصف . أما السودان ، فالمشهد أكثر تعقيدًا : انهيار مؤسسات الدولة ، وانقسام القوى السياسية ، وضعف الاستجابة الدولية جعلت حماية التعليم مسؤولية بلا صاحب .

كارثة في انتظار هذا الجيل :

يحذر الخبراء التربويون من أن البلاد تواجه خطر ” جيل ضائع ” . يقول الدكتور عبد الرحمن موسى : ” جيل بلا تعليم يعني عقودًا من الفقر والعنف. الحرب قد تنتهي، لكن آثارها على التعليم ستبقى لأجيال . ” غياب التعليم يعزز دائرة الفقر ، ويزيد من مخاطر تجنيد الأطفال ، والزواج المبكر ، والعمالة القسرية ، ما يهدد مستقبل الاستقرار والتنمية .

الصمت الدولي والتوظيف السياسي :

ورغم البيانات المتكررة الصادرة عن الأمم المتحدة ، لم يُمارس ضغط فعلي على الأطراف المتحاربة لوقف استهداف المدارس . تركيز المنظمات الإنسانية ينحصر في الغذاء والدواء ، بينما يبقى التعليم في ذيل الأولويات . في المقابل ، تستخدم بعض القوى السياسية السودانية ملف التعليم كورقة دعائية ، بعيدًا عن أي رؤية استراتيجية لحمايته أو إصلاحه . لحماية التعليم في السودان ، يقترح الخبراء والناشطون سلسلة من الإجراءات العاجلة : وقف استخدام المدارس لأغراض عسكرية . إنشاء ممرات آمنة تضمن وصول الطلاب والمعلمين . تأسيس فصول بديلة داخل معسكرات النزوح . توفير تمويل دولي عاجل لإعادة بناء البنية التعليمية . تفعيل آليات محاسبة ضد الأطراف المنتهكة لحقوق التعليم .

صرخة جيل :

في اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات ، يظل صوت الأطفال السودانيين الأكثر صدقًا وسط الفوضى :
” نريد أقلاما لا بنادق ، وكتبًا لا قنابل . التعليم حقنا ، لا تقتلوه معنا . “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!