أيهما يشكل خطرًا على أمن السودان القومي: الواتساب أم المليشيات يا برهان؟
د. فاطمة الزين الغالي – كاليفورنيا

د. فاطمة الزين الغالي – كاليفورنيا
في زمن البؤس الوطني الشامل، يتبارى الطغاة في ابتكار سبل إفقار الشعب معنويًا، وتدمير ما تبقى من كرامته، وتضييق آخر متنفساته. في السودان، حيث الانهيار الكامل لحياة الناس، يصرّ البرهان، الذي يعمل تحت عباءة تنظيم الإخوان المسلمين، على تحويل معاناة الناس إلى فرصة لقمعهم، وعلى تحويل أدوات التواصل والنجاة إلى “مهددات أمنية” مزعومة، وكأن الخراب الذي نعيشه لم يكن من صنع أيديهم.
في قرار أقل ما يُقال عنه إنه عبثي وسقيم، أعلن جهاز تنظيم الاتصالات والبريد، التابع للحكومة، تقييد خدمات الاتصال الصوتي والمرئي عبر تطبيق “واتساب” ابتداءً من 25 يوليو الجاري، بذريعة “الحفاظ على الأمن القومي”. وهذه ليست المرة الأولى التي يُستخدم فيها مصطلح “الأمن القومي” كستار دخاني لتبرير نزعات استبدادية، بل هو استمرارية لنهج الإخوان المسلمين في تكميم الأفواه، وتقييد الحق في المعرفة، ومنع تدفق المعلومات، خاصة في لحظة فارقة من تاريخ السودان، حيث تشكل المعلومة الدقيقة سلاحًا في معركة البقاء ذاتها، في هذا السياق أتناول تفنيد القرار من خلال التالي:-
أولًا: انه تكميم الأفواه وتعذيب الأرواح باسم الدولة
لقد أتقنت حكومة البرهان، فنَّ التنكيل بالشعب السوداني باعتباره غاية في حد ذاته. هؤلاء لم يكتفوا بإغراق المدن بالقصف، وتجويع النازحين، وتمزيق النسيج الاجتماعي، بل راحوا يلاحقون الناس حتى في خصوصياتهم: في هواتفهم، وفي اتصالاتهم، وفي رسائلهم بين الأم وولدها، والمريض وطبيبه. في معسكرات النزوح، وفي أطراف المدن المحترقة، وفي المغتربات التي أُجبر فيها السودانيون على الهرب من جحيم وطنهم، كانت تطبيقات مثل واتساب تشكل شريان حياة، وسبيلاً للتواصل والمواساة والاطمئنان. ومع هذا القرار، يقطع البرهان وأتباعه هذا الشريان، كمن يجهز على مريض في غرفة الإنعاش، دون أدنى إحساس أو اعتبار.
ثانيًا: من الذي دمر الأمن القومي؟
إذا كانت هناك جهة تستحق المحاسبة بتهمة تهديد الأمن القومي، فهي بلا شك تنظيم الإخوان المسلمين، الذي انقض على السودان عام 1989، وأعمل فيه تفكيكًا وتخريبًا ممنهجًا. لقد مزقوا الخريطة الوطنية، وفتتوا الجيش وفتنوا الناس، وبنوا أجهزة أمن واستخبارات موازية، وغذّوا النزاعات القبلية، واستحدثوا مليشيات تابعة لهم، وجعلوا من الدولة العميقة بؤرة لصناعة الفوضى.
هل كان الواتساب هو من فجر حرب دارفور الأولى؟
هل كانت مكالمات “فيديو” عبر التطبيق هي من قصفت جبال النوبة وأحرقت بيوت جبال الإنقسنا؟
هل كان تبادل الصور على الواتساب هو من رمى آلاف الجثث في النيل في مجازر القيادة العامة؟ لا يا برهان، لا يا إخوان. أنتم وحدكم من تآمر على أمن السودان، وأنتم وحدكم من دفعه إلى الحروب والدمار والتشرذم.
ثالثًا: هندسة الخراب عبر تفتيت النسيج الاجتماعي
منذ الأيام الأولى لاستيلائهم على الحكم، عمل الإخوان على إعادة تشكيل الولاءات في السودان. استهدفوا المناطق التي تحتفظ بولاء تاريخي لحزب الأمة القومي أو قوى الوسط الوطني. فزرعوا الفتن، وموّلوا الانقسامات، ودعموا سماسرة الحرب، وغيّروا الخرائط الاجتماعية والديموغرافية بطريقة وحشية. ماذا كانت النتيجة؟دارفور تحولت إلى ساحة دماء لا تنتهي، وكردفان غُسلت بالقهر والجوع، والنيل الأزرق باتت أرضًا تُحكم بالرعب والولاءات الهشة. ثم يتحدث البرهان اليوم عن “الحفاظ على الأمن القومي”!؟ أي وقاحة هذه؟!
رابعًا: تقييد الواتساب حرب على الحقيقة لا أكثر
القرار بتقييد الواتساب لا علاقة له بالأمن، بل بالحقيقة، الحقيقة التي تُنقل يوميًا عبره من أرض المعركة، الحقيقة التي تُوثق جرائم الحرب، والاعتقالات، والنهب، والانتهاكات، الحقيقة التي تقول إن مليشياتكم تفر من المعارك، وإنكم تعيشون أزمة ثقة شاملة مع الشعب السوداني. إنهم يريدون أن تُرتكب الجرائم في الظلام، بلا شهود، لكن عصر الإخفاء القسري انتهى. اليوم، الطفل في كوستي قادر على تصوير القصف، وإرساله في لحظة إلى ناشط في أمستردام، ومنه إلى منظمات حقوقية في جنيف، فأين تهربون من العالم؟ ومن الحقيقة؟ لن ينفعكم تقييد التطبيقات او حتى حجبها، فكواسر الخطر والتقييد المعروفة بالـ “VPN” بات رصاصة في صدور مشاريعكم القمعية، هذا علاوة على توفر عشرات بل مئات التطبيقات التي تقوم مقام الواتساب بجودة وامان افضل، ولا نقول غير ” موتوا بغيظكم”.
خامسًا: السودان دولة المليشيات لا دولة السيادة
إذا كنتم صادقين في حرصكم على الأمن القومي، فابدؤوا بنزع سلاح المليشيات التي صنعتها أجهزتكم الأمنية، ومن ثم اوقفوا الدعم عن القادة القبليين الذين جعلتموهم أمراء حرب. وأنهِوا شهوة السلطة والمال التي تسيطر على قياداتكم. فلا يوجد دولة يُبنى أمنها على ميليشيا، ولا سيادة تُستعاد بمرتزقة، ولا وطن يُدار بالإشاعات والرقابة. إن من يشعل النار لا يمكنه ادعاء إطفائها.وأنتم أشعلتم هذه الحرب، وأوقدتم نيرانها، وتغذيتم على دماء الأبرياء، عن أي أمن قومي تتحدثون إذًا؟
سادسًا: الأمن القومي في المفهوم الإنساني
الأمن القومي لا يُفهم كما تفهمونه أنتم، من منظور قمعي بوليسي ضيق. إنما هو شبكة الأمان الاجتماعي، والمساواة في الفرص، والعدالة الانتقالية، وبناء السلام، وإصلاح المؤسسات، وحرية التعبير، وكرامة الإنسان. الأمن القومي هو طفل في جبل مرة يذهب لمدرسته دون أن يخشى الطائرات، هو كذلك أمّ في كرري تسمع أخبار ابنها النازح في ود مدني عبر الواتساب، هو رجل في بورتسودان يعرف كيف يؤمّن قوت يومه بلا إذلال.
خلاصة القول:
هذا القرار ليس إلا محاولة مكشوفة لحجب الفشل، وإخفاء الفظائع، وتكميم أفواه السودانيين، وهو كغيره من قرارات الطغاة، مصيره التلاشي، وسيبقى الشعب السوداني هو الصوت الأقوى، والعين التي لا تنام. ان تقييد الواتساب لن ينقذكم، فأنتم، في الحقيقة، لا تخافون على الوطن وأمنه القومي، بل تخافون من شعبه.




