
عباس احمد السخي
لم تكن الزيارة التي أجراها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن زيارةً بروتوكولية عابرة؛ فقد انطوت على تحوّل واضح في مستوى الاهتمام الدولي بالحرب الدائرة في السودان. فوفق ما جاء المؤتمر الصحفي للرئيس الامريكي وتصريحات الناطق الرسمي للبيت الأبيض، فقد أثار الأمير ملفَّ الحرب مع الرئيس الأمريكي بصورة مباشرة، مؤكدًا خطورتها على الإقليم واستحالة استمرار الوضع الإنساني المتدهور. ولعلّ الاستجابة السريعة التي أبداها الرئيس الأمريكي – إذ وجّه بعد ثلاثين دقيقة فقط من اللقاء وزيرة الخارجية ماركو روبيو والمبعوث الخاص الدكتور مسعد بولس بتفعيل الآليات اللازمة لوقف الحرب – تعكس إدراكًا أمريكيًا جوهريا للازمة في السودان بصورة اكثر عمقا ، لمكامن الانفجار السوداني واحتمالات تمدده الإقليمي.
لقد منحت هذه الخطوة زخماً غير مسبوق لجهود «الرباعية» (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر). إذ بدت الدول الأربع لأول مرة وكأنها تتحرك ضمن رؤية موحدة لإيقاف الحرب، وتحديد خطوط حمراء حول الأطراف المعرقلة لمسار السلام. وقد استقبل الشارع السوداني هذا التطور بقدر كبير من التفاؤل، ورأى فيها نافذة أمل بعد الانسداد السياسي الطويل ومحاولات قوى داخلية وخارجية تحويل الحرب إلى صراعٍ مفتوح بلا نهاية.
وفي هذا السياق، جاء ظهور المبعوث الأمريكي الدكتور مسعد بولس على قناة «سكاي نيوز عربية» ليعزّز هذا الانطباع. إذ أكد بوضوح أن الرباعية تتبنى موقفًا ثابتًا ضد إشراك جماعة الإخوان المسلمين أو رموز النظام البائد، فضلًا عن أي دور لإيران، في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بوقف الحرب أو العملية السياسية. لم يكن هذا التصريح عابرًا؛ فقد جاء في لحظة تتزايد فيها التقارير حول تعاون مقلق بين جماعة الإخوان الممسكة بقرار بورتسودان، وبين أطراف إقليمية تُسهم في تغذية الحرب. وتشير مصادر متعددة إلى أن سلطات بورتسودان منحت، خلال الأسابيع الماضية، قاعدة بحرية لإيران تُدار عبر الحوثيين، وتُستخدم – حسب تقارير موثوقة – في نقل السلاح إلى غزة. إن هذه المعلومات لا تمثل فقط تحديًا للرباعية، بل أيضًا تهديدًا مباشرًا لمصالح دول الإقليم ومسارات الملاحة في البحر الأحمر، ما يفسّر التحول الحاد في لهجة واشنطن والرياض والقاهرة وأبوظبي.
غير أن الموقف الذي عبّر عنه الفريق عبد الفتاح البرهان في لقائه الأخير بمدينة القطينة جاء في اتجاهٍ مناقض لهذا الحراك الدولي. ففي خطاب بدا حاسما، حيث أعلن البرهان أنه «لا سلام مع قوات الدعم السريع»، مضيفًا عبارته اللافتة: «يا كملونا يا كملناهم». هذه اللغة، التي تستبطن خيار الحرب حتى نهايتها، دفعت بعض المحللين إلى القول إن البرهان ربما يكون قد حسم أمره باتجاه التحالف مع الإخوان المسلمين، مقابل إدارة ظهره لمبادرة الرباعية وتوجهات المجتمع الدولي. بل يرى آخرون أن موقفه الجديد ليس إلا ترجمةً لواقعٍ يتمثل في اختطاف القرار داخل بورتسودان لصالح تيارات الإسلام السياسي التي تسعى إلى إعادة إنتاج النظام القديم عبر بوابة الحرب.
ويأتي هذا الخطاب في لحظة دقيقة، إذ يستعد المبعوث الأمريكي مسعد بولس للعودة إلى المنطقة، وفق ما صرّح به في مقابلة جديدة مع «سكاي نيوز عربية». فقد دعا الرجل أطراف الصراع إلى إعلان قبول الهدنة المطروحة على الطاولة «فورًا»، موضحًا أن الرباعية حدّدت أولوياتها الثلاث: العون الإنساني، إعادة الإعمار لاسيما البنية، والعملية السياسية. وهذا الترتيب في الأولويات يعكس رؤية واقعية تُدرك استحالة الانتقال السياسي من دون كبح جماح الكارثة الإنسانية، وعودة ملايين النازحين، وتثبيت هياكل الحياة الأساسية التي دمّرتها الحرب.
هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف ستتعامل الرباعية مع التعنت الذي تبديه جماعة بورتسودان، والتي يختطف الإخوان قرارها بصورة شبه كاملة؟
فالمؤشرات الحالية – من خطاب البرهان، إلى التحركات الأمنية في الساحل، إلى النشاط المتصاعد لرموز النظام البائد – توحي بأن معسكر بورتسودان يتجه نحو مزيد من التصلب، ربما اعتقادًا منه بأن التموضع في محور إقليمي جديد يمكن أن يمنحهم القدرة على فرض شروطهم على العملية السياسية. لكن هذا الحساب قد يكون مضللًا. فالإشارات الصادرة من واشنطن والرياض وأبوظبي والقاهرة تُظهر انسجامًا متزايدًا في رفض أي ترتيبات تعيد الإخوان المسلمين والإيران إلى المشهد السوداني، بل إن الرباعية تبدو مستعدة لاتخاذ خطوات أكثر صرامة إذا استمر تعنت الطرف المسيطر على بورتسودان. كما أن المزاج الدولي – الذي كان متذبذبًا خلال الأشهر الماضية – بدأ يميل تدريحًا إلى دعم موقف يفرض وقف إطلاق النار كمدخل إلزامي لأي عملية سياسية، مع تحميل المعرقلين مسؤوليات واضحة.
من جهة أخرى، فإن لغة البرهان التصعيدية في القطينة لا يمكن فهمها بمعزل عن الضغوط التي يتعرض لها داخليًا من تيارات الإسلاميين الذين يسيطرون على مفاصل الدولة في الشرق. فهؤلاء ينظرون إلى المبادرة الأمريكية باعتبارها تهديدًا مباشرًا لمستقبلهم، إذ تجردهم من أوراق التأثير التي حصلوا عليها عبر إدارة الحرب. ولذلك يُرجح بعض المراقبين أن يكون خطاب البرهان محاولةً لموازنة هذا الضغط الداخلي، أكثر منه تعبيرًا عن موقف نهائي بعدم التعامل مع الرباعية. ومع ذلك، فإن تجاهله المتكرر لإشارات المجتمع الدولي قد يضعه في مواجهة غير محسوبة العواقب، خصوصًا إذا تحولت الحرب إلى ملف إقليمي ذي أولوية عالية.
في المحصلة، يجد السودان نفسه أمام مفترق طرق حاسم. فالرباعية باتت تمتلك اليوم أدوات ضغط أكبر ورؤية أوضح، مدعومةً بإرادة أمريكية متجددة، بينما تتجه سلطة بورتسودان إلى خيارات أكثر انعزالًا وخطورة. وبين هذا وذاك، يبقى الشعب السوداني هو الضحية الأولى، يعيش على وقع حرب أرهقت المدن، شردت الملايين، وقوّضت ما تبقى من بنى الدولة.
من هنا يصبح السؤال مفتوحًا: هل يمكن للرباعية أن تفرض إرادتها لوقف الحرب، أم أن تعنت بورتسودان، والخطاب التصعيدي للبرهان، وانغماس الإسلاميين في حساباتهم الضيقة، سيدفع البلاد نحو مزيد من الانهيار؟
الإجابة ستتحدد في الأسابيع القليلة المقبلة، حين يتضح ما إذا كانت مبادرة واشنطن – التي وُلدت من لقاءٍ في غرفة مغلقة بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي – قادرة على كسر جدار الحرب، أم أنها ستصطدم بجدار من المصالح والحسابات التي تجر السودان إلى هاوية أعمق.




