رأي

خطورة غياب استراتيجية المستقبل

بسام البنمحمد

أكثر ما يشغل الناس بحكم التحولات الكثيرة في كل ما عهدناه والفناه هو كيف سيكون المستقبل القريب، ما هي طبيعة الوظائف، هل سيغير الذكاء الاصطناعي حياتنا، هل سيكون العالم اكثر استقرارا او دمارا وحروبا مستمرة، هل سيتحسن مستوانا المعيشي وجودة الحياة ام سيتراجع. كل هذه التساؤلات تشغل بال الكثيرين ولكنها تشغل بال الشباب اكثر من غيرهم لانهم يعملون لبناء مستقبلهم ومستقبل ابنائهم الذي سيعيشون فيه، اما بشكل افضل او أسوأ.

وجزء كبير من مسؤولية صناعة هذا المستقبل ملقاة على عاتقهم ولكن هناك جزء اكبر على الدول لأنها هي من ترسم السياسات وتضع الخطط المستقبلية وتوفر البنية التحتية وتسخر الموارد في الاتجاهات المطلوبة لكي توجه الشباب للقطاعات المطلوبة ولكي تمكنهم وتعظم من فرص نجاحهم.

لذلك كثيرا ما استعانت الدول المتقدمة بعقول استراتيجية تمتلك القدرة على استشراف المستقبل وقادرة على وضع التصورات والرؤى التي تعين الدول على صناعة مستقبل افضل، ومن هذه الرؤى تنبثق الاستراتيجيات والخطط التي تعين على تنفيذ هذه المتطلبات.

فهناك العديد من الأسماء التي بسبب رؤيتها الاستراتيجية تشكلت العديد من المحطات المهمة في التاريخ الحديث مثل الانجلينزي هالفورد ماكيندر الذي في ١٩٠٤ وضع نظرية قلب العالم the heartland theory والتي يقصد بها المساحات الجغرافية المفيدة والتي إذا سيطرت عليها اي دولة ستسيطر على العالم بحكم اهمية موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية، واعطت نظريته هذه اهمية قصوى للجغرافيا كأحد اهم عناصر صناعة المستقبل وأساس التقدم والهيمنة التي تسعى لها الدول من اجل ضمان استقرارها وازدهارها.

ومثلما استفادت دول عديدة من تبني استراتيجيات خدمت مصالحها إلا انها كانت على حساب دول اخرى لم تمتلك استراتيجيات واضحة لتحديد وحماية وتعزيز مصالحها وصناعة مستقبلها. فكانت الدول تضع الرؤى وتحدد الموارد التي تحتاجها ومن ثم تتوسع وتذهب لأقاصي الارض للحصول عليها، مقابل دول تجد نفسها في مرحلة من تاريخها تقاوم محتلا او تصد أطماعا وتدفع اثمان باهضة للنجاة والبقاء.

ولم تكن هذه النظرية الوحيدة التي شرعنت التوسع في ذلك الوقت ولكننا استعنا بها كمثال لاهمية ان تمتلك الدول رؤية واضحة واستراتيجية دقيقة تستطيع من خلالها ان تصنع مستقبلها او ستدفع أثمانا باهضة بأن تكون ساحة مستباحة لمشاريع الآخرين، وهذا لا يعني ان تكون الرؤية توسعية فذاك زمان مختلف.

انما في هذا الزمن فالأدوات مختلفة، ولم تعد الجغرافيا هي المحرك الأساسي للقوة والتقدم، انما هي ثلاثة اركان اساسية اخذت مكان الجغرافيا وهي: التأثير السياسي، القوة الاقتصادية والتقدم التكنولوجي. فمن يملكها يستطيع ان يصنع مستقبله الذي يطمح له ويحمي سيادته ومصالحه واستقراره ضد التحولات والأطماع.

والتحول من الاهمية الجغرافية إلى هذه الأركان الثلاثة اعطى فرصة نادرة للقوى المتوسطة ان تؤثر على القوى العظمى وان تحصل على مقعد على طاولة الكبار بغض النظر عن مساحتها وتاريخها وموقعها الجغرافي. فتساوت فيه – نسبيا – ادوار واهمية اللاعبين على ارضية الملعب بحسب ما يمتلكونه من نفوذ سياسي وثقل اقتصادي وتكنولوجيا متقدمة.

وخريطة التأثير التي نراها امامنا اليوم تحدد بوضوح مكانة الدول وقدرتها اولا على حماية مصالحها وسيادتها وثانيا التأثير على الدول الأخرى وتعزيز مصالحها. ولكنها ليست القائمة النهائية لأننا مازلنا في مرحلة التحول ولكنها توضح من بدأ قبل غيره وسعى للحصول على هذه الادوات ومن نجح اكثر من غيره في الحصول عليها وتفعليها ولكن مازالت الفرصة متاحة للآخرين للمشاركة في هذا التحول.

ولكن هناك سؤال اخر يتبادر في اذهان الكثيرين من المعنيين بصناعة المستقبل، هل الدول التي لا تملك في هذه اللحظة هذه الأركان الثلاثة ستكون خارج الملعب؟ والجواب بوضوح انها قد تكون هي نفسها الملعب ان لم تسعى للحصول على هذه الادوات او على اقل تقدير احد هذه الادوات الثلاث. فالدول التي لا تمتلك قوة اقتصادية تستطيع ان تبني قدرات تكنولوجية بناء على خطط واضحة تستثمر في أبنائها وبنيتها التحتية تمكنها مستقبلا من الحصول على قوة اقتصادية وكذلك تستطيع من خلال علاقتها الدبلوماسية والشخصية ان تبني ثقلا وتوازنا سياسيا يعوضها عن ما لا تمتلكه حاليا، ولكن يجب ان يكون ذلك وفق رؤية سليمة واستراتيجيات محددة وتنفيذ ومتابعة دقيقة إلى ان تصل لهذه الامكانيات والأركان المطلوبة التي تعينها على صناعة مستقبلها الذي تطمح له وتستطيع ان تقدم من خلاله ما يحتاجه شبابها لكي يحققوا لأنفسهم وأبنائهم ووطنهم ما يستحقون وهذا كله لن يتحقق من دون ان تمتلك الدولة هوية وطنية شاملة وايجابية ينطلق منها الجميع ولكن هذا أمر اخر لا يتسع المجال له في هذه المساحة الضيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!