
لم تكن الأنباء المتداولة عن زيارة رئيس وزراء سلطة بورتسودان الانقلابية إلى المملكة العربية السعودية مجرد حدث عابر في صفحات الصحف الإلكترونية والأسافير، بل شكّلت صدمة كبرى للرأي العام السوداني لما اتّسمت به الزيارة من تجاهل سعودي واضح: بدءًا من غياب الاستقبال الرسمي، مرورًا بعدم عقد أي لقاءات مع المسؤولين السعوديين، وانتهاءً بطلب مغادرة الوفد مع وعد ببرمجة زيارة لاحقة. هذه التطورات لم تُعدّ إحراجًا شخصيًا لرئيس الوزراء المعيَّن فحسب، وإنما مثلت فضيحة دبلوماسية بكل المقاييس، مسّت كرامة السودان ومرّغت سمعته في الوحل.
الأوساط الإعلامية سارعت إلى المقارنة بين هذه “الزيارة الفاشلة” والاستقبال الحافل الذي حظي به رئيس وزراء باكستان في التوقيت نفسه، وهو ما جعل صورة السودان أكثر بؤسًا في أعين العالم، وأكد حجم الانهيار المؤسسي الذي يضرب الدبلوماسية السودانية اليوم.
لكن جوهر القضية، الذي لم يُتناول بما يكفي من العمق، يتمثل في الانحدار المهني الذي أصاب وزارة الخارجية السودانية. هذه المؤسسة العريقة التي عُرفت، لعقود طويلة، برصانتها وكفاءتها في تنظيم زيارات كبار المسؤولين وتنسيقها بما يضمن احترام السودان في الخارج. فحتى وقت قريب، لم يكن أي مسؤول رفيع يغادر الخرطوم قبل التأكد من اكتمال كل الترتيبات مع الدولة المستقبِلة وضبط البرنامج الزمني للزيارة بدقة. فكيف يُعقَل أن يسافر رئيس وزراء بلا تأمين بروتوكولي مسبق يليق بالسودان؟
السؤال البديهي هنا: أين كانت وزارة خارجية بورتسودان وسفارتها في الرياض؟ ما هو الدور الذي أدتاه قبل وأثناء الزيارة؟ ولماذا لم تُمارسا واجبهما المهني في ضمان نجاح الزيارة؟ بل لماذا لم تبادر السفارة بطلب تأجيلها إن لم تكتمل الترتيبات؟ إن التذرع بعدم الخبرة أو ضعف الإمكانيات لا يقنع أحدًا، فالمسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق وزارة الخارجية التي أخفقت إخفاقًا ذريعًا، وألحقت ضررًا بالغًا بسمعة السودان.
ولا يغيب عن النظر هنا بعض الأصوات الموالية للسلطة الانقلابية التي زعمت أنّ ما جرى في الرياض كان “مقصودًا” لإحراج كامل إدريس والتخلّص منه. مثل هذا التبرير لا يقدح في غير أصحابه، إذ يكشف أولاً عن استخفاف مريع بكرامة الوطن وسمعته الدولية، كما أنه يمثل عذرًا أقبح من الذنب. فضعف كامل إدريس ومحدودية قدراته المهنية لم يعودا بحاجة إلى كشف أو اختبار، فقد انكشف عجزه منذ اليوم الأول لتوليه منصب رئيس وزراء السلطة الانقلابية. وبالتالي فإن محاولة تغطية الفشل الدبلوماسي بادعاءات كهذه لا تزيد إلا من تعرية حقيقة الانهيار الشامل لمؤسسات الدولة.
إن هذه الحادثة تكشف عن أزمة أعمق من مجرد إخفاق بروتوكولي؛ إنها تجسّد حالة الشلل التي أصابت مؤسسات الدولة السودانية تحت حكم الانقلاب، حيث لم تعد قادرة على القيام بأبسط وظائفها. فالدبلوماسية السودانية، التي كانت تُعرف يومًا بأنها “دبلوماسية الكفاءات الصامتة” — في إشارة إلى وزراء وسفراء عملوا بجد وهدوء وتركوا بصمات واضحة من غير ضجيج — تحولت اليوم إلى جهاز عاجز عن حماية صورة بلده أو حتى حفظ الحد الأدنى من الكرامة الوطنية.
الفضيحة إذن لا يجب أن تُقرأ في إطارها البروتوكولي الضيق فحسب، بل في سياق أوسع يعكس تدهور الدولة السودانية برمّتها: من عجزها في الداخل عن وقف الحرب وحماية مواطنيها، إلى عجزها في الخارج عن تنظيم زيارة رسمية تحفظ ماء وجهها. وبينما يرفع قادة الانقلاب شعار “عودة السودان إلى المجتمع الدولي”، تأتي مثل هذه الوقائع لتؤكد أنهم لم يعودوا قادرين حتى على مخاطبة هذا المجتمع بجدية أو احترام.
إن إصلاح الدبلوماسية السودانية لن يتحقق بترقيع مؤقت أو إجراءات شكلية، بل يتطلب أولاً استعادة الشرعية الوطنية عبر إنهاء الانقلاب وعودة مؤسسات الدولة إلى أهلها الشرعيين. عندها فقط يمكن أن تعود الخارجية السودانية إلى دورها الطبيعي: حاميةً لمصالح السودان، ورافعةً لصورته، وجسرًا يربطه بالعالم. أما في ظل السلطة الانقلابية الراهنة، فإن ما حدث في الرياض لن يكون سوى حلقة في سلسلة طويلة من الإهانات والفضائح التي تسيء إلى تاريخ دبلوماسي مشرِّف.




