
صدق الأستاذ محمود محمد طه حين وصف الإسلاميين بأنهم «يفوقون سوء الظن العريض». فمقدرتهم على الكذب، ولوي الحقائق، والمغالطة لا تضاهى، ولا تكاد تجد لها مثيلاً بين ساسة الساحة. وأحدث الأمثلة على ذلك ما بثته قناة «طيبة» الفضائية، الناطقة باسم قيادات النظام البائد التي فرت إلى تركيا بعد ثورة ديسمبر، حول المطالبة بتغيير رئيس وزراء حكومة سلطة بورتسودان الانقلابية، وكأن الأزمة في شخصه لا في أصل الانقلاب الذي أتى به.
تحدث تقرير القناة عن «نداءات لتغيير قيادة حكومة السلطة الانقلابية» من دون أن يوضح الجهة الحقيقية التي أطلقت تلك النداءات، مع أن المقصود معروف وهو عناصر حزب المؤتمر الوطني المحلول. وبرر التقرير تلك النداءات بالحديث عن استمرار الأزمات السياسية والمعيشية، محمّلًا د. كامل إدريس مسؤولية الانهيار الاقتصادي وتردي الخدمات وفشل إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل وحتى الانقسام السياسي والأمني، وكأن الانقلاب العسكري لم يكن له أي دور في هذه الكوارث.
غير أن التقرير تعمّد تجاهل السبب الجوهري وراء كل هذه الأزمات، وهو انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي قطع الطريق أمام التحول الديمقراطي وأعاد السودان إلى قبضة العسكر والكيزان. ذلك الانقلاب هو الذي فرض عزلة دولية على البلاد، وأدى إلى تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، ووقف برامج الدعم والتمويل وإعفاءات الديون، وضياع إنجازات حكومة الثورة الأولى بقيادة د. عبد الله حمدوك.
بلغت المغالطة ذروتها حين حاول تقرير «طيبة» أن يوحي بأن الشارع فقد ثقته في حكومة كامل إدريس، وليس في السلطة الانقلابية، ثم طرح اسم السفير دفع الله الحاج كبديل، واصفًا إياه بأنه «ممثل للمؤسسات الوطنية وصاحب سجل إداري ودبلوماسي طويل». وهنا تبدو المفارقة واضحة: يتحدثون وكأن الانقلاب يملك مشروعًا واضحًا لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، ويحظى بشرعية شعبية، بينما الواقع يصرخ بخلاف ذلك، وإن المشكلة فقط في شخص رئيس الوزراء.
ومع ذلك، يبقى من المهم القول إن كامل إدريس لم يكن بريئًا من تبعات ما يحدث له. فهو قد ارتكب خطأ فادحًا بقبوله قيادة حكومة تعمل تحت سلطة انقلاب أطاح بأعظم الثورات في عهدنا الحديث. كان قراره هذا مدفوعًا أكثر بالرغبة في الظهور واللهاث وراء المنصب، من كونه خيارًا وطنيًا حقيقيًا. ومع مرور الوقت انكشف أنه ليس أهلًا لهذا المنصب من حيث الكفاءة والقدرات، وتلاشى الاحترام الذي كان يجده عند من لا يعرفونه، وكانوا يحكمون عليه فقط على أساس منصبه الأممي السابق.
وضعت التجربة الرجل في غربال الثورة، فانكشف المعدن وسقطت الهالة. ولو قُدّر لزعيم عالمي من وزن مهاتير محمد أن يترأس حكومة تحت سيطرة البرهان والانقلابيين، لما تمكن من إحداث إصلاح حقيقي، فحتى أعظم العقول لا تستطيع العمل في ظل سلطة تُصر على الفشل.
جوهر الأزمة السودانية لا يكمن في أسماء رؤساء الحكومات المدنية الشكلية التي يعينها الانقلاب، وإنما في الانقلاب نفسه. ودون إنهائه وتشكيل حكومة مدنية تحظى بقبول شعبي وإقليمي ودولي، وتلتزم بأهداف ثورة ديسمبر، لن تتوفر أي فرصة حقيقية لانتشال البلاد من أزماتها العميقة.
يبقى أن قرار كامل إدريس بالانخراط في سلطة انقلابية فتح الباب أمام الإسلاميين للهجوم عليه وتحميله أوزارهم، وما يواجهه اليوم ليس إلا نتيجة طبيعية لخياره الخاطئ من الناحية الوطنية والأخلاقية. أما الحقيقة التي يحاول الإسلاميون التستر عليها عبر تقارير مثل تقرير «طيبة» فهي أن المسؤولية الأساسية عن كوارث السودان تقع على عاتق الانقلاب العسكري الإسلامي، لا على أي حكومة مدنية تُعيَّن تحت مظلته.




