
الرحيل المرّ… وقد كان إبراهيم أمة، ولمثلك فليبكِ الباكون يا صديقي.
بقلوب مفعمة بالحزن والأسى، وبعيون دامعة تفيض ألماً، أنعى إلى الشعب السوداني قاطبةً رحيل الأخ والصديق والرفيق الدكتور إبراهيم موسى إبراهيم زريبة، الذي غادر دنيانا الفانية في كمبالا – أوغندا، تاركاً وراءه فراغاً لا يسد، وجُرحاً غائراً لا يندمل، وحسرةً ترافقنا ما حيينا.
عرفت إبراهيم عن قرب، زميلاً وصديقاً ورفيق درب طويل في العمل العام، من الدوحة إلى أديس أبابا، ومن نيروبي إلى عنتبي، حيث كان دوماً يحمل الوطن فوق كتفيه كأمانة ثقيلة لم يتخل عنها يوماً. كان رجلاً نبيلاً في جوهره، صادقاً في عطائه، كبيراً في صمته وكبيراً في فعله، وزاهداً في كل مغريات الدنيا، يختار الحق والوطن على أي اعتبار شخصي.
لقد كان من أوائل من وضعوا اللبنات الأولى لتحالف القوى المدنية المتحدة (قمم)، مؤمناً بالعمل المؤسسي، رافضاً للإقصاء، باحثاً عن المشتركات التي تصنع وحدة وطنية حقيقية. جلس على طاولات التفاوض في أصعب اللحظات، محاوراً ومجادلاً بروح مهذبة، لا يعلو صوته إلا بالحق، ولم يعرف المساومة على المبادئ.
في أديس أبابا، جلس أمام ممثلي الأمم المتحدة والدول الكبرى، مقدماً صورة مشرّفة للقادة المدنيين السودانيين. وبفضل حنكته وصلابته السياسية، استطاع أن ينتزع الاعتراف بـ”قمم” من الاتحاد الإفريقي، فاتحاً أبواب الشرعية الإقليمية والدولية أمام التحالف، ليصبح صوتاً مسموعاً في المحافل الدولية، وصوتاً صادقاً لقضية السودان.
لم يكن إبراهيم مجرد قائد سياسي أو كبير مفاوضين في اتفاق جوبا، بل كان إنساناً متواضعاً دمث الأخلاق، وجهه الطلق يبعث الأمل في أحلك الظروف، وابتسامته الصافية تخفف عن رفاقه عناء الطريق. كان يتألم لبؤس الناس ويذرف دموعه لمعاناتهم، يقضي الليالي يفكر كيف يخفف من أوجاع شعبه، كثيراً ما حدثني عن وطن يتسع للجميع، بلا إقصاء ولا كراهية.
رحيله في هذا الظرف العصيب يمثل خسارة فادحة للسودان، وخسارة للأمة السودانية جمعاء. فهو لم يكن ملكاً لأسرته الكريمة أو لتحالف “قمم” وحده، بل كان ملكاً للشعب السوداني وللمهمشين على وجه الخصوص، ولكل جيل كان يبحث عن قدوة حقيقية تجمع بين الفكر والعمل، بين العلم والزهد، بين السياسة والخلق.
نم قرير العين يا إبراهيم، فقد أديت رسالتك بصدق، وكتبت سطورك بمداد من نور. كنت مثالاً للإيثار والتضحية، عانيت الكفاف وشظف العيش ولم تمد يدك إلى أحد، ورغم كل ما لاقيت من ظلم، وهبت وطنك عمرك وصحتك وروحك.
أحرّ التعازي إلى أسرته الصغيرة والكبيرة، إلى زوجته وأبنائه، وإلى كل محبيه ورفاقه ومعارفه، سائلاً الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يلهمنا جميعاً الصبر والوفاء لذكراه.
سلام عليك يا إبراهيم يوم ولدت، ويوم رحلت، ويوم تُبعث حياً.




