
مني عبدالله دلدوم
رأيي شخصياً، ستات الشاي والكسرة في السودان ديل ما بس بائعات في الشوارع، ديل مدرسة كاملة في الصبر والشرف والكرامة. ديل أشرف من ألف سياسي، أطهر من ألف مسؤول حرامي، وأقوى من أي زول لابس بدلة ماسك سلطة وخلّى البلد ضايعة.
لما أشوف وشوشكن المرهقة البتشيل تعب السنين وما بتنكسر، بحس إنو القوة الحقيقية عندكن إنتن، ما عند الزول القاعد في القصر ولا الوزير الراكب عربية مكندشة. بتتحملن الحرّ والبرد، الكشات اليومية، مصادرة الكبابي، وحتى الكلام الجارح. ومع دا، ما استسلمتن، واقفات في الشارع بإصرار، عشان أطفالكن ما يناموا جعانين. ست الشاي بالنسبة لي ما بائعة ساكت: دي أمي المكافحة، دي أختي الشايلة بيت كامل في كتفها، دي عمتي وخالتي الواقفن محل رجال غابوا أو اختفوا في زحمة السياسة الوسخة.
القهر بيقتلني لما أشوفكن بتتهن في السوق والسلطات بتعامل معكن كأنكن مجرمات، بينما الحرامية الكبار قاعدين في مكاتبهم الوثيرة وباكلوا من عرقكن. بيحرقني الغبن لما أسمع عن “حملات النظام العام” البتهجم عليكن وتكسر كبابيكن، كأنو جريمتكن الوحيدة إنكن بتسعوا للرزق الحلال. دا ما عيب؟ دا ما فضيحة؟
الحق يُقال: وجودكن في الشارع شهادة إدانة لكل حكومة مرت على البلد. أنتن أكبر كف في وش الدولة، لأنكن كل يوم بتفضحن عجزها. الدولة المفروض تأكل الناس وتشغلهم وتحميهم، لكن خلت النسوان البسطاء يملن الفراغ. إنتن ما مهمشات ساكت، إنتن مرآة لفشل السياسيين وخيانة النخب وضياع نخوة الرجال البقيفوا متفرجين ساكت.
وأنا زاتو بخجل من نفسي ومن مجتمعي، لأنكن بتشيلن حمل جبل ونحن قاعدين وراء الشاشات نكتب وننظّر. بنقول بنحبكن وبنحترمكن، لكن حب بالكلام ما بيأكل عيش. متين حنقف معكن وقفة حقيقية؟ متين نفرض أماكن عمل آمنة ومحترمة ليكن؟ متين نطالب بقوانين بتحميكن بدل ما تسحقكن؟
الغريب إنو في ناس لحدي هسه بتعاملوا مع ستات الشاي كأنهن منظر تراثي أو صورة “فلكلور” للبلد. ودي أكبر إهانة. إنتن ما إكسسوار للثقافة السودانية، إنتن أساس البيت السوداني وعمود الكرامة الأخير. وجودكن في الشارع ما رومانسية، دا معركة يومية مع الجوع والفقر والإهانة.
والتاريخ بكتب وبيسجل: في الوقت البانهارت فيهو الحكومات وتكسرت فيه مؤسسات الدولة، إنتن الوقفتن في الميدان وحميتوا أسر كاملة من الضياع. إنتن الهزمتم الجوع بالصبر، وغطيتوا عورة الرجال البتراجعوا وانشغلوا بالكلام.
ورأيي دا ما بخبيه: لو في زول في السودان يستحق وسام شرف، فهو إنتن يا ستات الشاي والكسرة. أما الباقين من سياسيين ومسؤولين فاسدين، فمكانهم معروف… مزبلة التاريخ.
منى عبدالله دلدوم
المانيا.




