
خضر كوة
المنصب الذي فقد معناه
في العرف السياسي، يعد منصب وزير الدفاع من أرفع المناصب التنفيذية في الدولة، فهو المسؤول عن حماية السيادة الوطنية والإشراف على القوات المسلحة. غير أن هذا الدور في السودان لم يسر وفق النصوص الرسمية. فبينما يُفترض أن يحمي الوزير الحدود ويؤمن المواطنين، تحوّل المنصب في فترات حكم الكيزان إلى أداة سياسية واقتصادية، بل وحتى إلى إدارة مشاريع عقارية، على حساب الأمن القومي والمجتمع المدني.
المهام الرسمية: ما يقوله الدستور وما يجري في الواقع
الإشراف على القوات المسلحة من حيث التسليح، التدريب، والجاهزية.
المشاركة في مجلس الوزراء وصياغة السياسات الأمنية.
التنسيق مع الداخلية والاستخبارات.
إدارة ميزانية الدفاع وعقود التسلح.
هذا هو النص الرسمي، وهو ما نجده في وثائق وزارة الدفاع نفسها. لكن الواقع السوداني، خصوصًا في العقود الأخيرة، لم يكن انعكاسًا لهذا النص.
وزير الدفاع “وزير الإسكان”: حين ينهار المعنى
في ظل سيطرة النخب العسكرية-الحزبية المعروفة اصطلاحًا بـ “الكيزان”، تحوّل وزير الدفاع إلى واجهة سياسية أكثر من كونه صاحب قرار عسكري. والنتيجة:
تحويل الموارد الدفاعية إلى استثمارات في العقارات، الذهب، والشركات التابعة للمؤسسة العسكرية.
إزاحة الدور العسكري الحقيقي لصالح مصالح اقتصادية ضيقة.
إفراغ المنصب من محتواه: الوزير قد لا يمتلك سلطة فعلية على القوات، التي تخضع لقيادات موازية أو مليشيات متحالفة مع النظام.
الغش المؤسسي: الوزير كبش فداء
يمكن توصيف ما يحدث بأنه شكل من “الغش السياسي”:
1. التعيين كواجهة لإخفاء القوى الحقيقية.
2. حرمانه من السلطات الجوهرية في إدارة المؤسسة العسكرية.
3. تحميله المسؤولية أمام الشعب بينما القرار بيد آخرين.
النتيجة: وزير بلا جيش، يتحوّل إلى “وزير للهدم والإسكان”، يوجّه الجنود إلى قمع المواطنين بدل حماية الوطن.
النتائج الكارثية على الدولة والمجتمع
أمن قومي هش: الحدود والمواطنون بلا حماية.
فساد متجذّر: تضارب مصالح ونهب موارد الدولة.
انتهاكات جسيمة: القوات المسلحة ومليشياتها تتحول من حماية المدنيين إلى الاعتداء عليهم.
فقدان الثقة الشعبية: المواطن يرى جنديه يهدم بيته بدلًا من أن يحميه، فينهار الرابط بين الدولة ومجتمعها.
فرصة الإصلاح: دور حكومة تأسيس
في ظل هذه الهرجلة التي تُسمّى “حكومة بورتسودان”، تبرز أمام حكومة تأسيس فرصة حقيقية لإظهار نفسها كبديل أكثر جدية وشرعية.
عليها أن تصعّد خطابها الجماهيري القريب من الناس، يركّز على المعيشة والحقوق والخدمات.
أن تثبت بالعمل، لا بالكلام، من خلال توفير خدمات أساسية: الصحة، التعليم، المياه، الكهرباء.
أن تبني صورة مختلفة تمامًا عن فوضى بورتسودان، عبر الانضباط المؤسسي والالتصاق بالشارع.
وأن تتعامل بذكاء مع المجتمع الدولي، بخطاب معتدل، منفتح، يحترم حقوق الإنسان ويعرض مشروع دولة المواطنة كبديل للاستبداد العسكري والحزبي.
هذه الخطوات يمكن أن تمنح حكومة تأسيس شرعية شعبية داخلية، ورصيدًا خارجيًا، وتجعلها واقعًا حقيقيًا في حياة السودانيين.
خاتمة: جيش يقتل شعبه
وظيفة وزير الدفاع في السودان ـ كما ينبغي ـ هي حماية الوطن. لكن في ظل هيمنة «الكيزان»، أصبح المنصب أداة للهيمنة الاقتصادية والسياسية، ووسيلة لإذلال المواطنين.
والأخطر: الجيش السوداني أصبح معروفًا بأنه شارك في قتل المدنيين، واغتصاب حقوقهم الأساسية، وتجريدهم من سبل الحياة الكريمة، وتدمير الدولة نفسها. هذه الانتهاكات الموثقة تُلزم السودانيين والمجتمع الدولي ومؤسسات العدالة بمساءلة مرتكبي الجرائم وإنصاف الضحايا، حتى يعود الجيش مؤسسة وطنية لا أداة سياسية




