رأي

أكاد لا أصدقُ، ولكن: (البرتوكولات السرية لأبناء الشمالية)

حامد علي نور

حامد علي نور

لقد درجت وصديقي الخبير والأستاذ الجامعي، على تبادل البوستات والفيديوهات المهمة اوالممتعة، التي تنشر في وسائل التواصل الإجتماعي، وقد نجعل من بعضها مجال نقاش وحوار فيما بيننا. وقد أثار إنتباهي (في الواقع قلقي) في الفترة الأخيرة فيديو تحدث فيه ضابط إستخبارات من قوات الدعم السريع وقال أنه تحصل على وثيقة خطيرة، صادرة من ابناء الإقليم الشمالي لينفروا بحكم السودان. وكانت الوثيقة بعنوان (البرتكولات السرية لأبناء الشمالية). وما إن استمعت لبعض بنود تلك الوثيقة، إلا وتذكرت بأنني سبق وأن أطلعت على مثل تلك الوثيقة منذ سنين عددا، ولكني لم احفل بها او اصدقها “وفزعت فيه بأمالي الي الكذب”. ومع ذلك بعثتها إلي صديقى الدكتور، (وهو رجل قامة وعلامة ولا يُشق له غبار في مجال علمه، ونسأل الله ان يمنحه الصحة والعافية ويطيل من عمره). ولدهشتي، فقد ردّ عليّ الرجل بما يؤكدّ صحة تلك الوثيقة البرتكولية! وانه شخصيا قد وقف عليها في عام صدورها، أي منتصف التسعينات من القرن المنصرم، وأطلعني بالفعل على مصدر معلومته التي لا يرقي اليه الشك، (ورأيت أن امسك عن ذكر اسم او صفة اي منهما لدواعي لا تخفى عليكم)

يتعلق الأمر إذن بوثيقة تحمل مخرجات إجتماع عقدته (جماعة) من ابناء الشمالية في عام 1995، وضعوا فيه برتوكولات تهدف لإنفرادهم بالسلطة وبالهيمنة وعلى كل موارد ومقدرات السودان حتى العام 2050.

ولكن يبدو جلياً ان الذين قاموا بذلك ليسوا (ابناء الشمالية) كما ورد في الوثيقة، وانما في الواقع (ابناء الحركة الإسلامية من الإقليم الشمالي)، ولعل القصد من التعميم هو إخفاء صفتهم الإيدلوجية وفى نفس الوقت إغراء ابناء الاقليم الشمالي عموماً بما يعود عليهم من فوائد جراء تنفيذ تلك البرتوكولات. ثم لا يخفى على احد بانه ومنذ إنقلاب الاسلاميين على الديمقراطية لم يكن في وسع احد غيرهم ان يجرؤ للقيام بمثل تلك الخطوة.

ومهما يكن من امر تلك الوثيقة وقبل الخوض في مضمونها وأهدافها، لنقف اولاً على بنودها، وكما وردت في الفيديو بالنص الصوتي، وقد فرغتها -كما هي- إلي نص كتابي، لأضعها بين ايديكم، وهي ما يلي:

1- نحن ابناء الشمالية قلة قليلين جدّاً بالنسبة لبقية جهات السودان، وولاياتنا فقيرة، ولولا النيل لما قامت لنا قائمة، (لذلك) لابد لنا من السيطرة على السودان مهما كلف من تضحيات، وألا نفرط فيما خلفه لنا اجدادنا.

2- يجب ان تستمر سيطرتنا علي السودان حتى عام 2050 على اقل تقدير.

3- وفى حالة أن ثارت علينا الجهات، فعلينا ان نسلم السودان كله لمصر، وسيكون سكان مصر عندئذ حوالي 150 مليون نسمة، وستكون مصر حينها عاجزة عن إعاشة مواطنيها وسوف لن تتردد في غزو السودان وإحتلاله لضمان بقائها، ولذلك فان بقاءنا وسيطرتنا المنشودة تعتمد على مصر.!

4- الحفاظ على السلطة عبر سيطرتنا علي القوات المسلحة والشرطة وجهاز الأمن، وألا تأخذنا في ذلك لومة لائم. وأن نكمل سيطرتنا علي مفاصل القيادة العليا للقوات المسلحة، بان نحصر الترقيات على ابنائنا ليكونوا دوماً هم الأعلى رتبة وذلك لضمان تراتبية القيادات الأمنية.

5- في سبيل السيطرة على الثروة والسلطة معاً، نواجه اي طامح فيهما بحسم وبآلتنا العسكرية.

6- السيطرة الكاملة على الأعلام بكافة وسائلها: المرئية والمسموعة، وألا نخجل من ابراز مواهبنا السياسية والرياضية والفنية، وحتى برامج الحوارات في الإذاعة والتلفزيون والصحافة (يجب ان) تنحصرعلى ابنائنا فقط، نختار منهم الوجوه الفاتحة الجميلة، بإعتبار ان الأعلام عابر للقارات والفضائيات ولنبين لهم ان غيرنا غير مناسب لتلك المهمة، وبذلك نحقق التفوق العرقي ونلحق الهزيمة النفسية بأعدائنا، ثم نحاصر اي متطلع لبناء وسيلة اعلامية والقضا عليه، لأن الأعلام هو السلاح الأقوى والأكثر فتكاً بالخصوم.

7- يجب ألا نُمكّن ابناء الهامش من مشاركتنا في السيطرة على ادوات السلطة والثروة، وإذا ما اضطررنا لمنح تصديق لصحيفة او إذاعة او تلفاز، بحجة ان السودانيين امام القانون سواء – كنوع من الإيهام – يجب علينا محاصرة تلك الوسيلة الإعلامية بالسلطات الأمنية.

8- السيطرة الكاملة على الموارد والثروات، ويجب ألا نترك لغيرنا الفرصة لجمع ثروات طائلة.

9- ولكي نكون دائمي السيطرة على مفاصل الدولة فيجب إضعاف التعليم العام، وذلك بمنح حق (إنشاء) المدارس لزيادة عدد المدارس الخاصة، وزيادة الرسوم الدراسية حتي لا يستطيع ابناء الموظفين او العمال الإلتحاق بها. ووفي نفس الوقت إضعاف المدارس الحكومية التى يدخلها المبرزون من ابناء الفقراء فلا يجدون معلمين مؤهلين لأنهم سوف يهاجرون الي الخارج، او يضطرون للعمل فى المدارس الخاصة التي تدفع لهم اجوراً اكثر.

10- إضعاف الجامعات بعد تأهيلها، وإضعاف الأستاذ الجامعي بعد تأهيله، وزيادة أعداد الطلاب حتى لا يتمكنوا من الإستيعاب الجيد، وبذلك يتخريجون غير مؤهلين لمنافسة ابنائنا الذين يتعلمون في المدارس الخاصة الممتازة.

11- إفقار الناس وجعلهم يلهثون وراء لقمة العيش، ولا يجدون الفرصة للتفكير في منافستنا ثم التضييق عليهم امنياً وسلب حرياتهم وإحداث مزيد من الهزيمة النفسية ليكونوا قانعين ومقهورين ويتبعوننا مثل الكلاب الجائعة.

12- يجب التخلص من جميع المؤسسات الحكومية الإنتاجية في الدولة وخصخصتها لصالح منسوبينا ومؤسساتنا الخاصة والسياسية، وإهمال المشاريع الزراعية وإضعاف تأثيرات اتحادات المزارعين وإستقطاب قياداتهم ليركبوا معنا تحت ضغط الحاجة، وتفكيك جميع الإتحادات الفئوية والنقابات العمالية المطلبية والسيطرة عليها بالترغيب والترهيب، وإذا لم نفعل ذلك فلن يستقيم لنا الأمر.

13- إثارة النعرات القبيلية وضرب القبائل بعضها ببعض حتى لا تتآلف، وإشعال الحروب في جميع جهات السودان الأخرى لإيجاد مبررات منطقية للقبضة الأمنية التي تجعلنا متنفذين ومسيطرين على البلاد من اقصاها الى ادناها.

14- لابد من إستغلال عرب السودان وخاصة عرب دارفور وكردفان وإدناءهم منّا وإثارة الحميّة …

(الي هنا انقطع الفيديو وربما لم يكتمل بنود البرتكول، ولكني أرى ان هذه البنود وحدها تكفي لبحث وتحليل معطياتها وتغنينا عن المزيد.

في المقام الأول نجد ان هذه البرتوكولات اُعدت عام 1995، وهو العام الذي تآمرت فيه الحركة الإسلاموية في السودان مع (إخوانجية مصر) على إغتيال الرئيس المصري حسنى مبارك وفشلت المحاولة. ولكن هل فشلت مؤامرة الحكومة المصرية ضد السودان؟ فبسبب هذه المؤامرة المشتركة بين إسلامي الدولتين، فرضت مصر على السودان ان يدفع ثمن مشاركته فى المحاولة من دم قلبه ومن لحم جسده! وكانت حكومة الإنقاذ الإسلامية جاهزة ومستعدة لدفع اي ثمن، في سبيل حماية نفسها وقادتها من ورطتهم الجنائية والمرتبطة بالارهاب الدولي. فتنازلوا بما لا يملكون لمن لا يستحق! اولاً بمثلث حلايب وشلاتين، كمقدم دفع لصفقة حدود تكلفتها تحقيق كل المصالح المصرية في السودان، وتنتهي الصفقة عند تنفيذ البند(٣) من البرتوكول، اما باقي البنود الاخري فتمثل مصالح ذاتية لقيادات الحركة الإسلامية من الاقليم الشمالي.

و إذا احسنا الظن وافترضنا بأن الهدف من هذه البرتكولات هو إيهام المصريين بأن مصالحهم سوف تتحقق، إلا ان هذا الظن يصبح باطلاً حينما نرى ان هذه البرتكولات التى اُعدت قبل ربع قرن مضى كمخطط سري، قد إكتمل تنفيذها تقريباً – وعلى روؤس الأشهاد – فقد حققت الى حدِ كبير مصالح المعنيين بها في الداخل، وكذلك المصالح الاقتصادية الكبيرة لمصر من السودان، وها هي النتائج ماثلة للعيان فى ارض الواقع، ولما يتبق سوى ربع قرن، لتصل الصفقة نهايتها المحددة بالعام 2050 (على اقل تقدير) كما ورد في البندد (2) من البرتكول!

كذلك علينا ان نمعن النظر في البند (3)، (وهنا اود ان اُعيد لذاكرة القارئ الكريم حديث لزعيم الإسلامويين، علي كرتي، في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة حين دعا المصريين ليسكنوا ويزرعوا فى الأراضي السودان الشاسعة والخصبة و (الهملة)، بدلاً تلك الضيقة والمزدحمة في مصر! فهل كانت تلك الدعوة مناورة سياسية؟ ام يريد شيخ الإسلاميين ان يقول بان السودان ملك حرّ له، ولزمرته من إسلاموي شمال السودان؟ ام ترون انها مقدمة ضرورية لتنفيذ البرتكولات التي غايتها النهائية ان يلحق كامل التراب السوداني بحلايب وشلاتين ولتصبح الدولة السودانية بكاملها جزءً من دولة مصر الكبرى! ذلك كان الحلم التاريخي الذي راود المصريين والمتمصريين في (سودان وادي النيل) حتى قبيل إستقلال بلادنا من الإستعمار الإنجليزي المصري في منتصف القرن العشرين، ثم يأتى في نهاية نفس القرن، دهاقنة الحركة الإسلامية من الإقليم الشمالي ليتولوا كِبره!.

والإسلامويون عموماً معروف عنهم عدم إيمانهم بالوطن والوطنية، فالوطن هو حيثما تتحقق مصالحهم، فلا عجب إذن ان يخون اخوانجية شمال السودان (إخوانهم في الدين) من الإقاليم الأخري، فالأمر في أساسه لا يتعدى تحقيق مصالح ذاتية وأسرية في المقام الاول، وإثنية وجهوية في المقام الاخير.

قبل ان اواصل ارى أن اترك المجال للتعليقات والتداول، كما ان ارى إضافة اي وثائق او معلومات اخرى متعلقة بهذه الملف الخطير وشكراً

‏حامد نور 

nurdarfur@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!