
م. إيمان التجاني
السودان يقف اليوم على مفترق طرقٍ تاريخي، بين أن يظل أسيرًا لصراعات الماضي، أو أن يشرع في تأسيس دولةٍ جديدة قادرة على تحقيق السلام والعدالة والحرية والمساواة. غير أن هذا الهدف لا يتحقق بالأمنيات ولا بالشعارات، بل عبر طرحٍ جاد للأفكار والرؤى التي تُجيب على السؤال الجوهري الذي ظل عالقًا منذ فجر الاستقلال: كيف يُحكم السودان؟
إن الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن تكون شاملة، تتناول البعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي والأمني، حتى تصبح الدولة السودانية على مسافة واحدة من جميع مكوناتها دون تمييز أو إقصاء. وعندها فقط يمكن إدارة التنوع الواسع الذي يميز السودان بطريقة إيجابية تُسهم في استقراره، وتفتح الطريق أمام قيام دولة المؤسسات والقانون.
المدخل الحقيقي نحو هذا التحول هو العقد الاجتماعي الجديد، عقد يوازن بين الحقوق والواجبات ويعيد تعريف علاقة الدولة بالمجتمع. في هذا العقد تتجسد الفيدرالية كإطار لتوزيع السلطة والثروة بعدالة، وتُرسّخ المواطنة كمرجعية للانتماء بعيدًا عن الجهة أو القبيلة أو الدين، وتُعتمد العلمانية كضمان للحريات العامة وصون للتعدد الديني والثقافي، بما يتسق مع نسب وتنوع السكان.
لقد أثبت التاريخ أن كل الحروب التي شهدها السودان انتهت بالتفاوض، لكنها كانت تفاوضات جزئية تعاملت مع نتائج الأزمات ولم تمس جذورها العميقة. ولذلك ظل السلام هشًّا، والبلاد تدور في حلقة مفرغة من الحرب والهدنة فالنكوص. أما اليوم، فإن الحل الحقيقي لا يكمن إلا في تفاوضٍ جادٍ ومسؤول يتناول جذور المعضلة السودانية المتمثلة في طبيعة الحكم، وتوزيع السلطة، وتعريف الهوية الوطنية.
الاعتراف بالآخر هو المدخل الأوسع لبناء وطن متماسك، لكنه في الوقت ذاته أعقد ما يواجه النخب السودانية التي ظلت أسيرة للعقلية الإقصائية والاستعلائية والسلطوية، تلك التي استخفت بعقول الناس وألغت وجودهم، فكانت النتيجة تمردًا دائمًا وانقسامًا مستمرًا. لا يمكن للسودان أن ينهض إلا حين تعترف كل مكوناته ببعضها، وحين يصبح التنوع مصدر قوة لا ذريعة للهيمنة أو الصراع.
إن بناء دولة سودانية عادلة لا يكون بإعادة إنتاج ذات النخب القديمة، ولا بالحلول المؤقتة، بل عبر رؤية وطنية شاملة تُعيد تعريف الدولة ومؤسساتها على أسس جديدة: دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية علمانية تستمد شرعيتها من العقد الاجتماعي لا من البندقية أو الولاءات الضيقة.
ولعل ما يبعث على الأمل أن هذه المعايير والمبادئ الجوهرية قد تضمنها ميثاق تحالف السودان التأسيسي، الذي يُعد حتى الآن أكثر التحالفات السياسية أهليةً وقدرةً على وضع الدولة السودانية في مسارها الصحيح. فهو تحالف ينطلق من فهمٍ عميق لجذور الأزمة، ويتبنى مشروعًا لبناء وطنٍ جديد تسوده العدالة والمواطنة والمساواة، وتُصان فيه الكرامة الإنسانية كأسمى القيم.
إنها لحظة الوعي الكبرى، لحظة التأسيس لعقدٍ وطنيٍ جديد، يدرك أن السلام لا يُفرض، والحرية لا تُمنح، والعدالة لا تُستعار، بل تُبنى بإرادة الشعب وإيمانه بأن هذا الوطن يستحق أن يُعاد تشييده على أسسٍ من الحق والمساواة والاحترام المتبادل.




