
نجم الدين دريسة
يُعدّ الحكم المحلي أحد أهم ركائز التنمية المتوازنة، وأداة أساسية لتحقيق العدالة في توزيع الموارد والفرص بين الأقاليم والمجتمعات المحلية. غير أن التجربة السودانية في هذا المجال ظلت متعثّرة منذ فجر الاستقلال، نتيجة لهيمنة الحكومات المركزية القابضة التي مارست سياسة التهميش والإقصاء المتعمد للأطراف، مما جعل الحكم المحلي مجرد هياكل شكلية تفتقر إلى الصلاحيات والموارد والسلطات الحقيقية.
لقد ظل الإهمال المتعمد للحكم المحلي سمة ملازمة للأنظمة المركزية في السودان، حيث احتكرت السلطة والثروة في العاصمة، وتجاهلت دور المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها. هذا النهج لم يُنتج سوى المزيد من الفوارق التنموية والاحتقان الاجتماعي، وأدى إلى غياب التنمية المتوازنة التي تقوم على مشاركة المواطنين في تحديد أولوياتهم واحتياجاتهم.
ضعف البُنى المؤسسية للحكم المحلي في السودان يمثل عقبة جوهرية أمام أي مشروع تنموي. فالمحليات، بوضعها الحالي، تفتقر إلى الأجهزة الفنية المدربة، والهياكل التنظيمية الفاعلة، والتمويل المستقر الذي يمكنها من تنفيذ خططها وبرامجها. كما أن غياب الشفافية والرقابة جعل من مؤسسات الحكم المحلي كيانات هشة، تعتمد على المركز في كل شيء، وتُدار بعقلية الولاء السياسي لا بالكفاءة الإدارية.
أما المشاركة الشعبية، وهي جوهر الحكم المحلي، فقد غابت تماماً في معظم التجارب السودانية. إذ لم تتح الفرصة للمجتمعات المحلية لتكون طرفاً فاعلاً في اتخاذ القرار أو التخطيط أو التنفيذ، بل ظل المواطن متلقياً للقرارات المركزية المفروضة عليه من فوق.
تجارب اللامركزية التي جرت في السودان منذ العام 1951م مروراً بتجربة مايو تحت إشراف الدكتور جعفر بخيت، ثم تجربة نظام الإنقاذ الإسلاموي، جاءت جميعها في ظل أنظمة شمولية وأوتوقراطية، وظّفت مفهوم الفدرالية لخدمة أغراضها السياسية، لا لبناء دولة عادلة وموزونة. فقد تحولت الفدرالية إلى وسيلة لتقسيم الولاءات وإضعاف الوحدات المحلية، بدلاً من أن تكون إطاراً لتقوية الحكم القاعدي وتعزيز المشاركة الشعبية.
إن القاعدة السياسية والإدارية لنجاح الحكم الفدرالي تكمن في تحقيق حكم محلي فعّال، يشارك فيه المواطن في صنع القرار، وتكون العلاقة بين مستويات الحكم محكومة بتشريعات وقوانين واضحة تحدد الصلاحيات وتمنع التداخل بين المهام. كما يجب إنشاء مؤسسات تنفيذية ورقابية قوية، قادرة على متابعة الأداء وضمان الشفافية والمساءلة.
ولتحقيق التنمية المتوازنة، لا بد من استغلال الموارد المحلية استغلالاً أمثل، عبر توظيفها لخدمة أولويات المجتمعات المنتجة نفسها، لا لتغذية خزائن المركز. كما يمكن الاستفادة من تجارب الدول التي نجحت في بناء نظم حكم محلي قوية مثل الهند ونيجيريا وجنوب أفريقيا، حيث أثبتت التجربة أن التنمية الحقيقية تبدأ من القاعدة، لا من المركز.
ختاماً، فإن إصلاح نظام الحكم المحلي في السودان يمثل مدخلاً حقيقياً لبناء دولة المواطنة والعدالة والتنمية، دولة تُدار من القاعدة إلى القمة، وتمنح المواطن حقه في أن يكون شريكاً في القرار لا تابعاً له، وهو الطريق الوحيد للخروج من أزمات التهميش التاريخي وبناء وطن متوازن ومستقر.




