رأي

الجيش ضد النساء 

مها طبيق

 

مها طبيق

منذ تأسيس الجيش السوداني ، لم يعرف الوطن منه سوى وجهٍ واحد ، وهو وجه القمع ضد المدنيين ، واستخدام النساء كأداة حرب وسيطرة ، حيث ظل الجيش أداة في يد السلطة ، يكرّر عبر العقود الانتهاكات نفسها التي تركت جروحًا عميقة في جسد المجتمع السوداني . واليوم ، وهو يملأ سجونه بالنساء بتهمة التعاون مع الدعم السريع ، مما يكشف عن حقيقته العارية جيشٌ ضد شعبه ويحارب وأمهاته .

منذ انقلاب الفريق عبود عام 1958 ، تحوّل الجيش إلى خصمٍ مباشر للمدنيين . ففي الجنوب ارتكب مجازر ضد القرى ، واستخدم النساء كدروعٍ بشرية وأداة إذلال للمجتمعات المحلية . فكانت تلك الانتهاكات جزءًا من سياسة ممنهجة لفرض السيطرة بالقوة . كذلك في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ، كرّر الجيش السيناريو ذاته . اعتقالات ، واغتصاب ، وإذلال متعمد . كانت النساء دائمًا الحلقة الأضعف ، يدفعن ثمن الحروب في محاولة لكسر إرادة المجتمعات المقاومة .

ومع وصول عمر البشير إلى السلطة عام 1989، صار القمع ضد النساء سياسة رسمية . فقد تحولت قوانين النظام العام إلى سيفٍ مسلّط على رقاب السودانيات ، وامتلأت السجون بالمعتقلات بسبب اللباس أو الرأي أو النشاط الاجتماعي . استخدمت قوات الأمن والجيش الاغتصاب كسلاح حرب في دارفور ، كما لجأت إلى اعتقال الناشطات في الخرطوم كوسيلة لإذلالٍهن وكسرٍ إرادتهن .

وبعد سقوط البشير حاول الجيش أن يقدّم نفسه كحاميٍ للشعب . لكن الحقيقة ظهرت اليوم بوضوح . فالسجون مكتظة بالنساء بتهمٍ فضفاضة لا دليل عليها سوى الانتقام السياسي . أصبحت عبارة ( التعاون مع الدعم السريع ) الذريعة الجديدة لتبرير الاعتقالات ، خصوصًا ضد النساء من مناطق الهامش . هذا السلوك غير مبرر لا عدلًا ولا قانونًا ، وإنما استمرارٌ لنهجٍ قديم متجدد وهو استهداف النساء كسلاح حرب . ففي المجتمعٍات المحافظة يعتبر الإعتقال الوصم الاجتماعي والتدمير النفسي والانكسار العائلي . والجيش يدرك ذلك جيدًا ، ويستغله بلا رحمة .

جيشٌ يملأ سجونه بالنساء ويستبيح كرامتهن لا يمكن أن يُسمّى جيشًا وطنيًا . هو قوة قمعٍ لا تختلف عن أي ميليشيا . لا شرف عسكري في مواجهة النساء أي كان الاسباب ولا وطنية في إذلال الأمهات والطالبات والبائعات في الأسواق . إن ما يفعله الجيش اليوم لن يُسقط الدعم السريع ، وإنما يسقط صورته هو أمام الشعب ويؤكد أن هذه المؤسسة تعيش على إرثٍ دمويّ من قمع النساء منذ يوم تأسيسها وحتى اليوم .

فكلما امتلأت سجون الجيش بالنساء انكشف أكثر أمام السودانيين حتى صار قوة بطشٍ تاريخية سجلها مليء بالعار . من الاغتصاب في الجنوب ودارفور ، إلى السجون المكدّسة بالنساء في الخرطوم اليوم .

مها الهادي طبيق

6 أكتوبر 2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!