رأي

الاعتذار السياسي في السودان بين التوبة والمراوغة

عادل ابراهيم مصطفي

 

السفير عادل إبراهيم مصطفى

قدّم النعمان عبدالحليم، القيادي بالحركة الإسلامية والأمين السياسي لحزب المؤتمر الوطني، اعتذاراً علنياً للشعب السوداني عمّا وصفه بـ”الأخطاء التي ارتُكبت خلال سنوات حكم الحزب”، وذلك في مقابلة بثّت على قناة الجزيرة مباشر مساء السادس من أكتوبر الجاري.

وقد أثارت هذه الخطوة جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بين من رآها محاولة شجاعة لمراجعة الماضي، ومن قرأ فيها مناورة جديدة هدفها التمهيد لعودة الإسلاميين إلى المشهد السياسي من بوابة “الندم المتأخر”.

من الواضح أن الاعتذار جاء في لحظة سياسية ضاغطة على الحزب، بعد أن ضاق عليه الخناق داخلياً بفعل عزلة اجتماعية وشعبية غير مسبوقة، وخارجياً بفعل مواقف إقليمية ودولية ترى في الحزب أحد جذور الأزمة السودانية الراهنة.

وفي هذا السياق، يبدو الاعتذار أقرب إلى رد فعل اضطراري هدفه امتصاص الغضب الشعبي وتهيئة المسرح لإعادة التموضع في ترتيبات ما بعد الحرب، لا إلى مراجعة فكرية أو أخلاقية حقيقية لتجربة حكم امتدت لأكثر من ثلاثة عقود كانت مليئة بالاستبداد والفساد وإشعال الحروب الداخلية.

ولا يُستبعد أن تكون بعض الأطراف الخارجية ذات المصلحة في استمرار نفوذ الاسلاميين داخل مؤسسات الدولة قد شجّعت على مثل هذه الخطوة، أملاً في إعادة تدوير المشهد بوجوه مألوفة تحت شعارات جديدة.

ومهما تكن الدوافع، فإن قيمة الاعتذار الحقيقية تتوقف على ما يتبعه من أفعال لا على ما يُقال في المنابر الإعلامية. فلا معنى لأي “توبة سياسية” لا تُقترن بمحاسبة جنائية وإدارية، وباسترداد الأموال العامة التي استولى عليها منسوبو الحزب دون وجه حق، ولا قيمة لأي حديث عن المصالحة الوطنية من دون تفكيك شبكات التمكين في الجيش والأمن والخدمة المدنية التي عطّلت قيام دولة القانون والمؤسسات وأبقت الدولة رهينة لمراكز النفوذ القديمة.

إنّ السودان، وهو يعيش واحدة من أحلك فتراته، لا يحتاج إلى خطب عاطفية أو اعتذارات غامضة بقدر حاجته إلى وضوح في المسؤولية والاعتراف بالجرائم والانتهاكات التي مزّقت البلاد وأهانت كرامة شعبها. فالمغفرة الوطنية لا تأتي بالتصريحات الإعلامية، بل عبر مسار عدالة انتقالية شفاف يعيد للدولة حقها، وللشعب كرامته، ويمنح من تاب بصدق فرصة جديدة في فضاء عام نظيف من الفساد والإفلات من العقاب.

يبقى أن الاعتذار ـ مهما كانت دوافعه ـ خطوة مهمة في الشكل، لكنها لا تُعدّ جوهرية ما لم تُترجم إلى التزام عملي بالعدالة والمساءلة، وما لم تُفهم بوصفها بداية لتصحيح المسار لا وسيلة لتبييض الماضي. فالتوبة الحقيقية تبدأ من ردّ الحقوق إلى أهلها، لا من المراوغة على شاشات الفضائيات.

وربما لسنا في حاجة لتذكير من يصفون أنفسهم بالحركة الإسلامية بأن التوبة لا تكتمل إلا بشروطها المعروفة: الإقلاع عن الذنب، والاعتراف به، وردّ الحقوق إلى أصحابها، والعزم الصادق على عدم العودة إليه. فهذه المعاني هي التي تفرّق بين من يتوب لله، ومن يناور للعودة إلى السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!