
نجوي بابو
تطرح الحالة السودانية الراهنة سؤالاً دقيقاً يتجاوز السياسة اليومية إلى عمق الفقه الدستوري والقانوني: هل يمكن لسلطة أمر واقع أن تكتسب شرعية سياسية أو قانونية بمجرد ممارستها لوظائف الدولة، مثل تنظيم الامتحانات العامة، وعلى رأسها امتحان الشهادة السودانية؟
هذا السؤال لا يتعلق بالامتحانات بوصفها إجراءً تعليمياً فحسب، بل بوصفها وظيفة سيادية تقليدية من وظائف الدولة الحديثة، ما يجعلها اختباراً عملياً لمفهوم الشرعية في ظروف النزاع وتعدد مراكز السلطة.
في الفقه السياسي الكلاسيكي، يميز ماكس فيبر بين ثلاثة أنماط للشرعية: الشرعية القانونية العقلانية، والشرعية التقليدية، والشرعية الكاريزمية. وفي ضوء هذا التصنيف، فإن أي سلطة تنشأ في ظروف الحرب قد تكتسب “شرعية فعلية” من خلال السيطرة على المؤسسات وتقديم الخدمات، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى سلطة ذات شرعية قانونية مكتملة ما لم تستند إلى دستور أو تفويض سياسي معترف به.
تنظيم امتحان الشهادة السودانية، رغم أهميته الرمزية والإدارية، يندرج في هذا الإطار بوصفه ممارسة لوظيفة سيادية لا تعني بالضرورة امتلاك مصدر الشرعية. فالدولة الحديثة تُعرّف، في أحد أبعادها، بقدرتها على تنظيم التعليم ومنح الشهادات، لكن هذه القدرة تظل “وظيفة دولة” وليست “دليلاً على الدولة ذاتها”.
في القانون الدولي، كما تُمارسه الأمم المتحدة، لا يُبنى الاعتراف بالحكومات على ممارسة وظائف إدارية منفردة، بل على مجموعة من المعايير المركبة، تشمل السيطرة الفعلية المستقرة، والقدرة على تمثيل الدولة، وغياب حكومة بديلة معترف بها، إلى جانب اعتبارات سياسية تتعلق بالإجماع الدولي. وبالتالي، فإن تنظيم الامتحانات أو تقديم الخدمات التعليمية لا يُنشئ بذاته اعترافاً قانونياً بالحكومة القائمة.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل البعد السياسي لهذه الممارسة. ففي سياق النزاع، تتحول الخدمات العامة إلى أدوات لإثبات الحضور السياسي والرمزي للسلطة. تنظيم امتحانات وطنية قد يُستخدم لإظهار الاستمرارية المؤسسية للدولة، حتى في ظل الانقسام، وهو ما يمكن وصفه في الأدبيات السياسية بأنه “إنتاج رمزية الدولة في ظروف الاضطراب”.
غير أن هذا البعد الرمزي لا يُترجم بالضرورة إلى شرعية سياسية مكتملة. فهناك فرق جوهري بين أن تُمارس السلطة وظيفة من وظائف الدولة، وبين أن يُعترف بها بوصفها الحكومة الشرعية للدولة. هذا الفرق هو ما يجعل مفهوم “شرعية الضرورة” مفهوماً إشكالياً: فهو يصف قبولاً عملياً مؤقتاً، لكنه لا يؤسس لاعتراف قانوني دائم.
في الحالة السودانية، يزداد هذا التعقيد بسبب تعدد مراكز القوة وتنازعها. فكل طرف يسعى إلى إثبات أنه الجهة القادرة على إدارة الدولة، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل أيضاً عبر تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة. لكن هذا التنافس لا يحسم مسألة الشرعية، بل يعمّق حالة الازدواج بين الدولة كفكرة قانونية والدولة كواقع ميداني.
من زاوية أخرى، يشير بعض فقهاء القانون العام إلى أن استمرار أداء الوظائف السيادية من قبل سلطة أمر واقع قد يخلق نوعاً من “القبول الوظيفي”، حيث يضطر المواطنون إلى التعامل معها بحكم الضرورة. إلا أن هذا القبول لا يرقى إلى مستوى الاعتراف السياسي أو القانوني، بل يظل مشروطاً بغياب البدائل واستمرار الأزمة.
كما أن تحويل الخدمات، بما فيها الامتحانات، إلى أدوات لإثبات الشرعية قد يحمل مخاطر طويلة المدى، أبرزها إعادة تعريف الدولة على أساس الأداء المؤقت بدل الأساس الدستوري. وهذا ما حذرت منه أدبيات الحكم الانتقالي، التي تؤكد أن الشرعية لا تُبنى فقط على الكفاءة، بل على مصدر السلطة وآليات انتقالها.
في المحصلة، يمكن القول إن تنظيم امتحان الشهادة السودانية من قبل حكومة أمر واقع لا يمنحها شرعية قانونية أو سياسية مكتملة، لكنه قد يعزز حضورها الفعلي في إدارة الحياة العامة. ومع ذلك، يبقى الاعتراف الحقيقي بالدولة والحكومة مرتبطاً بتسوية سياسية شاملة، وإطار دستوري متفق عليه، واعتراف داخلي ودولي متكامل، وليس بمجرد ممارسة وظائف سيادية منفردة.
وبالتالي، فإن ما يبدو إجراءً تعليمياً عادياً، يتحول في سياق النزاع إلى سؤال عميق حول معنى الدولة نفسها: هل تُعرّف بما تقدمه من خدمات، أم بالمصدر القانوني الذي يمنحها حق تقديم تلك الخدمات؟ وفي الحالة السودانية، لا تزال الإجابة على هذا السؤال مفتوحة، بقدر ما هو مفتوح مستقبل الدولة ذاتها.




